وقد بيّنّا أنّ الرجعة لا تنافي التكليف ، وأنّ الدواعي متردّدة معها ؛ حيث لا يظنّ ظانّ أنّ تكليف مَن يعاد باطل . وذكرنا أنّ التكليف كما يصحّ مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة ، فكذلك مع الرجعة ؛ لأنّه ليس في الجميع ملجئ إلى فعل الواجب والامتناع من فعل القبيح .
فأمّا من تأوّل الرجعة من أصحابنا ، على أنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي ، من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات ، فإنّ قوما من الشيعة لمّا عجزوا عن نصرة الرجعة وبيان جوازها وأنّها تنافي التكليف ، عوّلوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة . وهذا منهم غير صحيح ؛ لأنّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة ، فيطرق التأويلات عليها ، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحّته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم ؟ ! وإنّما المعوَّل في إثبات الرجعة على إجماع الإماميّة « 1 » .
* * * وقال الإمام كاشف الغطاء - ردّا على من زعم أنّ القول بالرجعة ركن من أركان التشيّع - « 2 » :
« وليس التديّن بالرجعة في مذهب التشيّع بلازم ، ولا إنكارها بضارّ ، وإن كانت ضروريّة عندهم ، ولكن لا يناط التشيّع بها وجودا وعدما . وليست هي إلّا كبعض أنباء الغيب ، وحوادث المستقبل ، وأشراط الساعة ، مثل : نزول عيسى من السماء ، وظهور الدجّال ، وخروج السفيانيّ وأمثالها ، من القضايا الشائعة عند المسلمين . وما هي من الإسلام في شيء ، ليس إنكارها خروجا منه ، ولا الاعتراف بها بذاته دخولًا فيه . وكذا حال الرجعة عند الشيعة .
هامش
( 1 ) - . رسائل الشريف المرتضى ، ج 1 ، المسائل الرازيّة المسألة الثامنة ، ص 125 - 126 ؛ بحار الأنوار ، ج 53 ، ص 138 - 139 .
( 2 ) - . يقول أحمد أمين : فاليهوديّة ظهرت في التشيّع بالقول بالرجعة فجر الإسلام ، ص 276 ؛ راجع أيضا :
ص 269 - 270 و 273 .