تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
وهذا باطل لا يجري على لسان العرب ؛ لأنّ الفعل لا يدخل إلّا على ما كان بغير الصفة التي انطوى اللفظ على معناها ، ومن خلقه اللّه ميّتا لا يقال له : أماته ، وإنّما يقال ذلك فيمن طرأ عليه الموت بعد الحياة « 1 » ؛ ولذلك لا يقال : جعله اللّه ميّتا إلّا بعد ما كان حيّا . وهذا بيّن . قال : وقد زعم بعضهم أنّ المراد بقوله :
« أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ »
الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمسائلة ، فتكون الأُولى قبل الإحياء والثانية بعده . وهذا أيضا باطل من وجه آخر ، وهو : أنّ الحياة للمسائلة ليست لتكليف فيندم الإنسان على ما فاته في حياته ، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم مرّتين ، يدلّ على أنّه لم يرد حياة المسائلة ، لكنّه أراد حياة الرجعة التي يكون لتكليفهم الندم على تفريطهم ، فلم يفعلوا فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك « 2 » . * * * وسئل السيّد المرتضى علم الهدى عن حقيقة الرجعة ؛ لأنّ شذاذ الإماميّة يذهبون إلى أنّ الرجعة رجوع دولتهم في أيّام القائم عليه السلام ، من دون رجوع أجسامهم . فأجاب قدس‌سره بأنّ الذي تذهب الشيعة الإماميّة إليه : أنّ اللّه يعيد عند ظهور إمام الزمان المهديّ عليه السلام قوما ممّن كان قد تقدّم موته من شيعته ، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم ، فيلتذّوا بما يشاهدون من ظهور الحقّ وعلوّ كلمة أهله . والدلالة على صحّة هذا المذهب أنّ الذي ذهبوا إليه بما لا شبهة على عاقل في أنّه مقدور للّه تعالى غير مستحيل في نفسه ، فإنّا نرى كثيرا من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة . وإذا ثبت جواز الرجعة ودخولها تحت المقدور ، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإماميّة على وقوعها ، فإنّهم لا يختلفون في ذلك ، وإجماعهم قد بيّنّا في مواضع من كتبنا أنّه حجّة .
هامش
( 1 ) - . أمّا قوله تعالى :« وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ »، فلأنّ الميّت يصدق على ما لا حراك فيه ولا حياة منذ البداية ، نظير الموات من الأرضين . ( 2 ) - . المسائل السرويّة ضمن رسائل المفيد ، ج 7 ، ص 32 - 36 رقم 3 .