والإرسال مرّةٌ واحدةٌ . ولم يُرد بالمرّتين التثنية . ومثله قوله تعالى :
« ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ »
« 1 » أي كرّةً بعد كرّة ، لا كرّتين اثنتين . ومعنى قوله :
« فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ »
« 2 » تخيير لهم - بعد أن علّمهم كيف يطلّقون - بين أن يُمسكوا النساء بحسن العشرة - وهو الرجوع إليها - وبين أن يُسرّحوهنّ السراح الجميل الذي علّمهم . والحكمة في التفريق ما يشير إليه قوله تعالى :
« لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً »
« 3 » أي قد يقلب اللّه تعالى قلب الزوج بعد الطلاق ، من بُغضها إلى محبّتها « 4 » .
وهكذا روى أصحاب السنن : أنّ ركانة طلّق امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عليها وندم ، فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وذكر ندمه وحزنه الشديد على ذلك ، فسأله رسول اللّه : كيف طلّقتها ثلاثا ؟ قال : في مجلس واحد ! فقال رسول اللّه : إنّما تلك واحدة فارجعها إن شئت ، فراجعها .
وفي حديث ابن عبّاس : أنّ عبد يزيد طلّق زوجته وتزوّج بأُخرى ، فأتت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فشكت إليه . فقال النبيّ لعبد يزيد : راجعها ، فقال : إنّي طلّقتها ثلاثا يا رسول اللّه . قال : قد علمتُ ، راجعها ، وتلا :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ »
« 5 » .
قال أبو داود : أنّ ركانة طلّق امرأته ألبتّة ( أي الثلاث البائن ) فجعلها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واحدة .
ومعنى ذلك : أنّ الثلاث بلفظ واحد - من غير مراجعة بينهنّ - تكون الواحدة منهن للعدّة ، دون مجموع الثلاث .
فتلاوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للآية تلميح إلى عدم وقوع الثلاث جميعا للعدّة سوى واحدة ، ومن ثَمّ كانت رجعيّة وليست بائنة .
* * * ومن غريب الأمر أنّ جمهور الفقهاء ، مع علمهم بأنّ الثلاث بلفظ واحد مخالف
هامش
( 1 ) - . الملك 4 : 67 .
( 2 ) - . البقرة 229 : 2 .
( 3 ) - . الطلاق 1 : 65 .
( 4 ) - . سنن النسائيّ ، ج 6 ، ص 116 .
( 5 ) - . السنن الكبرى ، ج 7 ، ص 339 .