فأُعجب المعتصم ذلك ، وأمر بقطع يد السارق من مَفصِل الأصابع دون الكفّ « 1 » .
انظر إلى هذه الالتفاتة الرقيقة التي تَنبَّه لها الإمام ولم يلتفت إليها سائر الفقهاء ، ذلك أنّ اليد في آية القطع وقعت مجملة قد أُبهم المراد منها ، فلا بدّ من تبيينها إمّا من السنّة أو الكتاب ذاته . وقد التفت الإمام عليه السلام لوجه التبيين إلى السنّة مُدعمةً بنصّ الكتاب ، فبيّن أنّ راحة الكفّ هي إحدى المواضع السبعة التي يجب على المصلّي أن يسجد عليها ، وذلك بنصّ الحديث الوارد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا كبيان الصغرى . ثمّ أردفه ببيان الكبرى المستفادة من الآية الكريمة الشاملة بعمومها لكلّ مسجد ، سواء الموضع الذي يسجد فيه ، أو العضو الذي يسجد عليه ، كلّ ذلك للّه . وما كان للّه لا تشمله عقوبة الحدّ ، لأنّ العقوبة إنّما ترجع إلى ما للعبد المذنب ، ولا تعود على ما كان للّه تعالى . وهو استنباط ظريف جدّا .
* * * وممّا يُستغرب في المقام ما ذكره الجزيريّ تعليلًا لوجوب القطع من مَفصِل الكفّ ، أي الزند ، قال : لأنّ السرقة تقع بالكفّ مباشرة ، والساعد والعضد يحملان الكفّ ، والعقاب إنّما يقع على العضو المباشر للجريمة ، ولذلك تُقطع اليمنى أوّلًا ؛ لأنّ التناول يكون بها في غالب الأحيان « 2 » .
قلت : هذا التعليل يقتضي وجوب القطع من مَفصِل الأصابع ، كما عليه فقهاء الإماميّة وبه رواياتهم ؛ لأنّ الأصابع هي التي تناوش المتاع المسروق ، والكفّ تحمل الأصابع .
وقد ذكر ابن حزم الأندلسيّ أنّ عليّا عليه السلام كان يقطع الأصابع من اليد ونصف القدم من الرجل . وكان عمر يقطع كلّ ذلك من المَفصِل . وأمّا الخوارج فرأوا القطع من المِرفَق أو المنكب « 3 » .
هامش
( 1 ) - . تفسير العيّاشيّ ، ج 1 ، ص 319 - 320 ؛ راجع : وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 489 - 491 ، باب 4 ، حدّ القطع . وآية قطع يد السارق ، من سورة المائدة 38 : 5 .
( 2 ) - . الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، ص 159 .
( 3 ) - . المحلّى ، ج 11 ، ص 357 ، رقم 2284 .