تصنعون ؟ ! « 1 » ليمتاز التأويل عن التفسير .
وقوله تعالى :
« وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ »
« 2 » .
فالآية - حسب ظاهرها - وردت بشأن قوم موسى واستضعاف فرعون لهم ، فأراد اللّه أن يرفع بهم ويستذلّ فرعون وقومه .
لكن الآية في مفادها العامّ وعد بنصر المستضعفين في الأرض ورفعهم على المستكبرين ، في أيّ عصر وفي أيّ دور ، سنّة اللّه التي جرت في الخلق . لكن على شرائط يجب توفّرها كما توفّرت حينذاك على عهد موسى وفرعون ، فإن عادت الشرائط وتهيّأت الظروف ، فإنّ السنّة تجري كما جرت أوّل الأمر .
وبذلك جاء تأويل الآية بشأن مهديّ هذه الامّة ، واستخلاص المستضعفين في الأرض على يده من نِير المستكبرين .
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها » « 3 » ، ثمّ تلا هذه الآية .
وفي كتاب الغيبة قال أمير المؤمنين عليه السلام : « هم آل محمّد - صلوات اللّه عليه - يبعث اللّه مهديّهم بعد جهدهم ، فيعزّهم ويذلّ أعدائهم » . والروايات بهذا المعنى كثيرة جدّا « 4 » .
فقد جاء ذكر موسى وقومه وفرعون وقومه ، والمقصود - في باطن الآية - كلّ مستضعف في الأرض ومستكبر فيها .
قال الإمام السجّاد : والذي بعث محمّدا بالحقّ بشيرا ونذيرا ، إنّ الأبرار منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته ، وإنّ عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه « 5 » .
هامش
( 1 ) - . إكمال الدين ، ج 2 ، ص 360 ، الباب 34 ، رقم 3 .
( 2 ) - . القصص 5 : 28 .
( 3 ) - . نهج البلاغة ، حِكَم ، رقم 209 . يقال : شمس الفرس شموسا وشماسا ، إذا استعصى على راكبه . والضروس : الناقة السيّئة الخُلق تعضّ حالبها .
( 4 ) - . راجع : تفسير الصافي ، ج 2 ، ص 253 .
( 5 ) - . المصدر نفسه ، ص 254 ؛ جوامع الجامع للطبرسيّ ، ص 342 .