انظر إلى هذا التكلّف الذي وقع فيه لتوجيه ما حسبه تفسيرا للآية ، فلو أنّه أخذه تأويلًا لها مستخلصا عموم المراد من ظاهر اللفظ ؛ وذلك لعموم مناط الحكم في المراجعة والسؤال ؛ لكان قد استراح بنفسه .
نعم ، وردت الآية بشأن المشركين ، وهم جهّال ، ليسألوا أهل الكتاب ؛ لأنّهم علماء .
وهذا الدستور العقلانيّ عامّ في ملاكه ومناطه ، فليكن عامّا في خطابه وشموله . هكذا يستفاد العموم من اللفظ ويُستخلص الشمول من الملاك ، ويسمّى ذلك تأويلًا ، أي مآل الكلام في نهاية المراد .
وهكذا قوله تعالى :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ »
« 1 » فقد فسّرها قوم حسبما ورد من روايات في تأويلها ، فحسبوها مفسّرات . قال عليّ بن إبراهيم - بصدد تفسير الآية - : أرأيتم إن أصبح إمامكم غائبا فمن يأتيكم بإمام مثله ، واكتفى بذلك .
واستشهد بحديث الرضا عليه السلام سئل عن هذه الآية ، فقال : ماؤكم : أبوابكم ، أي الأئمّة عليهم السلام .
والأئمّة أبواب اللّه بينه وبين خلقه ،
« فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ »
، يعني بعلم الإمام « 2 » .
وكناية « الماء المعين » عن العلم الصافي عن أكدار الشبهات ، أمر معروف ، قال تعالى :
« وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً »
« 3 » . وهكذا جاء في تفسير الصافي للمولى محسن الفيض « 4 » .
غير أنّ ذلك تأويل للآية وليس تفسيرا لها ؛ حيث أخذ « الماء » في مفهومه الأعمّ من الحقيقيّ والكنائيّ ، أي فيما يورث الحياة ويوجب تداومها وبقاءها ، إن مادّيّا أو معنويّا ، ليشمل الماء الزلال والعلم الصافي جميعا ، وبهذا المعنى العامّ يشمل كلا الأمرين .
فاستخلاص مثل هذا العموم من لفظ الآية ، يُعتبر تأويلًا لها .
وفي رواية الصدوق - في الإكمال - تصريح بذلك ؛ حيث سئل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عن تأويل هذه الآية بالذات ، فقال : إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا
هامش
( 1 ) - . الملك 30 : 67 .
( 2 ) - . تفسير القمّيّ ، ج 2 ، ص 379 .
( 3 ) - . الجنّ 16 : 72 .
( 4 ) - . تفسير الصافي ، ج 2 ، ص 727 .