« وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ »
« 1 »
دلّت الآية على أنّه لم يبق بعد الطوفان سوى نوح وبنيه وذراريه . وحتّى الذين ركبوا معه في الفُلك ممّن آمن به ونجوا من الغَرَق هلكوا وانقرضوا بلاعقب . هكذا جاءت في الروايات الإسلاميّة عن ابن عباس وقتادة . قال الكلبي : لمّا خرج نوح من السفينة مات مَن كان معه من الرجال والنساء إلّا ولده ونساءهم . « 2 » ومن ثمّ كان نوح عليه السلام هو الأب الثاني لكافّة البشر بعد آدم عليه السلام .
لكنّه يتنافى وقوله تعالى خطابا لبني إسرائيل :
« ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ » .
« 3 » والموصول عامّ يشمل مَن ركب مع نوح من المؤمنين ، ولايخصّ ولد صلبه - كما قيل - إذ لاشاهد عليه في ظاهر تعبير القرآن العامّ .
والقول بتشعّب البشر من ولد نوح الثلاثة ( سام ، حام ، يافث ) رواية إسرائيلية بحتة ذكرتها التوراة : « ومن هؤلاء تشعّب كلُّ الأرض » . « 4 »
غير أنّها ذكرت أيضا أنّ الذين ركبوا مع نوح هم بنوه وأزواجهم فحسب « 5 » ليكون غيرهم لم يؤمنوا به إطلاقا ممّا يبدو غريبا جدّا أو كانوا آمنوا ولكنّهم بقوا ليكونوا مع المغرقين ، وهذا أبعد وأغرب !
فالصحيح ما ذكره القرآن :
« قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » .
« 6 » فقد ركب معه من المؤمنين جماعة وإن كانوا في قلّة بالنسبة إلى قومه الأكثرين . وقد ذكر المفسّرون أنّهم كانوا ثمانين نفسا . « 7 »
فلابدّ أنّ هؤلاء الذين ركبوا معه ونجوا كانوا معه وهبطوا جميعا بسلام
« قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » .
« 8 »
هامش
( 1 ) - الصافّات 77 : 37 .
( 2 ) - مجمع البيان ، ج 7 ، ص 447 .
( 3 ) - الإسراء 3 : 17 .
( 4 ) - سفر التكوين ، الأصحاح 9 / 18 .
( 5 ) - المصدر : 7 / 8 .
( 6 ) - هود 40 : 11 .
( 7 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 164 .
( 8 ) - هود 48 : 11 .