ومن مضاعفات هذا الزعم - كما نبّه عليه المحقّق الشعراني - « 1 » القول بعموم الطوفان المستحيل . « 2 » إذ لازمه أن يكون الماء قد غمر رؤوس الجبال الشامخات ، حيث رست السفينة - بعد ما أخذت المياه في النضوب - على قمّة جبل ترتفع خمس كيلومترات !
وممّا يجدر التنبّه له : أنّ القوم حسبوا من كلمة « الجودي » - باعتبارها اسم جبل - أنّها أعجمية معرّبة ، فراحوا يجوبون البلاد علّهم يعثروا على ذلك الأصل أهو « جورداين » أو « جورداي » أو « قوردو » أو غيرها ؟
لكن لامبرّر لهذا الحسبان بعد أن كان لهذه الكلمة أصل عربي خالص ولها سابق التعبير في جاهلية العرب . قال اميّهبن أبي الصلت :
سبحانه ثُمَّ سبحانا يعود له * وقبله سبّح الجوديُّ والجُمُدُ
الجودي - من الجود - : الرَبْوة من الأرض تجود بنباتها إذا أصابها وابلٌ آتت اكُلها ضعفين . والجُمُد : الحَزَنة من الأرض تجمد بنباتها وتبخل سواء أصابها وابل أو طلّ .
قال أبو مسلم الإصبهاني : الجودي اسم لكلّ جبلٍ وأرض صلبة . « 3 » في مقابلة الرخوة أي استقرّت على مرتفع من الأرض غير ذات وحل ، وكانت ذات بركة عليه حينما نزل بها .
« قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ » .
« 4 » فأوّل مفاتح البركات نزوله بأرضٍ ذات بركةٍ وجود .
وأين هذا من حسبان نزوله في أعالي جبالٍ شامخاتٍ ترتفع عن الأرض السهلة بخمس كيلومترات ؟ !
وهل كان نزوله حينذاك بسلامٍ وبركاتٍ أم بشقاء وعَناء ؟ !
هامش
( 1 ) - معجم لغات القرآن للشعراني ، ج 11 ، ص 144 .
( 2 ) - عادةً في الطبيعة . ولا ضرورة تدعو إلى مثل هذا الإعجاز !
( 3 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 165 .
( 4 ) - هود 48 : 11 .