والتعبير بالأمم ممّن معه يعطي تناسل الأمم منهم ، منهم المؤمنون كآبائهم ومنهم الفاسقون ، وهذا أيضا مطلقٌ شامل لكلّ من ركب معه وهبط إلى الأرض بسلام .
فالخطاب - مع بنيإسرائيل - بأنّهم ذرّية من حملنا مع نوح ( يعني الذين آمنوا به ) يشمل الجميع .
ثمّ لو كان المراد ذرّية ولد نوح الذين ركبوا معه لكان التعبير بذرّية نوحٍ أولى ، من غير ضرورة تدعو إلى هذا الالتواء في التعبير الموهم ! !
والوجه فيما ذكره الكلبي وغيره أنّه تأثُّرٌ برواياتٍ إسرائيليّة وينبو عنه ظاهر تعبير القرآن .
بقي قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ »
« 1 » يظهر منه أنّ البشرية أصبحت جميعا من ذرّية نوح ولم يُعقّب الآخرون .
لكن في رواية أبي الجارود عن الإمام محمّد بنعلي الباقر عليه السلام في قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ »
قال : الباقون بالحقّ والنبوّة والكتاب والإيمان في عقبه . قال :
وليس كلّ مَن في الأرض من بني آدم ، من ولد نوح . واستشهد عليه السلام بالآية من سورة هود :
« ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ » .
« 2 »
وهو تأويلٌ وجيه يدعمه قوله تعالى :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ » .
« 3 » وهذا هو معنى البقاء
« وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ » .
« 4 » يعني إبراهيم عليه السلام وقال تعالى :
« فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ . . . » .
« 5 »
فالبقيّة الباقية في مصطلح القرآن هم الذين ورثوا الكتاب والنبوّة والإيمان ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . هذا هو البقاء وفي غيره الفناء ، الأمر الذي تحقّق في ذرّية نوح وإبراهيم عليهم االسلام .
هامش
( 1 ) - الصافّات 77 : 37 .
( 2 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 223 .
( 3 ) - الحديد 26 : 57 .
( 4 ) - الزخرف 28 : 43 .
( 5 ) - هود 116 : 11