تَعَلَّمْ أن سيهديكم إلينا * طريقٌ لايجورُ بكم حنيفُ
قال أبو عبيدة - اللغوي العلّامة - في قوله عزّوجل :
« قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً »
: مَن كان على دين إبراهيم ، فهو حنيف عند العرب .
قال الأخفش : كان في الجاهلية يقال : من اختتن وحجّ البيت ، حنيف . لأنّ العرب لم تتمسّك في الجاهلية بشيء من دين إبراهيم غير الختان وحجّ البيت .
قال ابن عَرَفة : الحَنَف ، الاستقامة . وإنّما قيل للمائل الرِجْل أحنف تفاؤلًا بالاستقامة ، كما يقال للغراب أعور وللصحراء القاحلة مفازة .
قال الزجاجي : الحنيف في الجاهلية من كان يحجّ البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن . « 1 »
وهكذا ذكر الفيروزآبادي في القاموس ، قال : الحَنَف - محرّكة - الاستقامة .
وقد عرفت أنّ إطلاقه على اعوجاج الرجل ، كان بالعناية والمجاز تفاؤلًا ، لا حقيقة .
قال الجارود بن بشر من عبد قيس ، وكان نصرانيّا فأسلم طوعا :
فأبلغ رسول اللّه منّي رسالةً * بأنّي حنيف حيث كنت من الأرض
وقال حسّان بن ثابت يخاطب أبا سفيان :
هجوتَ محمّدا بَرّا حنيفا * أمين اللّه شيمته الوفاء « 2 »
وممّا يتأيّد إرادة التطهّر من الأقذار في مفهوم « الحَنَف » ، أنّ العرب اليوم يستعملون لفظة « الحَنَفيّة » يريدون بها فتحة أنابيب المياه للغسل والشرب ، حيث كانت وسيلة التطهير من الأوساخ . وهو امتداد لمفهومه القديم المعروف عندهم . « 3 »
فياتُرى هل كان هؤلاء العرب الأقحاح انخدعوا جميعا منذ أوّل يومهم حتّى الآن بدسائس يهودية هزيلة لاوزن لها ولا اعتبار ، اللّهمّ إلّا في ذهنية متعرّبنا المسكين ! !
هامش
( 1 ) - لسان العرب ، ج 9 ، ص 56 - 58 .
( 2 ) - راجع : الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 386 .
( 3 ) - راجع : المعجم الوسيط ، ج 1 ، ص 203 ، مادّة « حنف » . وص 524 « الصنبور » .