وعبيداللّه بن جحش ، وعثمان بن حويرث ، وزيد بن عمرو ، من أفذاذ قريش - . فقال بعضهم لبعض : تعلمون واللّه ماقومكم على شيء ! لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم ! ماحجرٌ نطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ولايضرّ ولا ينفع ! يا قوم ، التمسوا لأنفسكم دينا ، فإنّكم واللّه ما أنتم على شيء . فتفرّقوا يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم . « 1 »
وهؤلاء - وأمثالهم من غيرهم يومذاك - فارقوا دين قومهم واعتزلوا الوثنية وعبادة الأصنام وأكل الميتة والدم والذبائح على النصب وتقذّروا الفحشاء والمنكرات ووأد البنات وما إليها من عادات جاهلية سيّئة . . . وسمّوا بالحنفاء ، حيث اتّباعهم الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام .
والحنيفيّة ، من الحَنَف هي النزاهة والقداسة إن فكريّا أو عمليّا ، وفق الفطرة الأولى الضاحية .
قال تعالى :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » .
« 2 » وفي الحديث : سئل عن الحنيفية ؟
قال : هي الفطرة . « 3 »
قال الراغب : الحَنَف ، هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة . والجَنَف ، ميل عن الاستقامة إلى الضلال . « 4 » والحنيف ، المائل إلى الاستقامة . قال تعالى :
« قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً » .
« 5 » وقال :
« حَنِيفاً مُسْلِماً » .
« 6 » وجمعه : حُنَفاء . قال تعالى :
« وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ » .
« 7 »
قال : وتحنّف فلانٌ أي تحرَّى طريق الاستقامة . وَسَمَّتِ العربُ كُلَّ من حجّ أو اختتن :
حنيفا ، تنبيها أنّه على دين إبراهيم عليه السلام .
قال أبو زيد : الحنيف ، المستقيم ، وأنشد :
هامش
( 1 ) - راجع : تفصيل القصّة في سيرة ابنهشام ، ج 1 ، ص 237 - 248 .
( 2 ) - الروم 30 : 30 .
( 3 ) - بحارالأنوار ، ج 3 ، ص 276 .
( 4 ) - كما في قوله تعالى :« فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً . . . »البقرة 182 : 2 . أي ميلا عن الحقّ في الوصاية .
( 5 ) - النحل 120 : 16 .
( 6 ) - آل عمران 67 : 3 .
( 7 ) - الحجّ 30 : 22 و 31 .