« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها »
« 1 »
زعم المتعرّب أنّ « اعتدى » لايتعدّى بنفسه ، وكان الصحيح أن يبدّل بقوله « فلاتتعدّوها » « 2 » ويا ليته لم يفضح نفسه بالتدخّل في شؤون لغةٍ هو أجنبيّ عنها . قال صاحب المنجد - وهو مسيحيٌّ مثله لكنّه عارف باللغة - : اعتدى الحقَّ وعن الحقِّ وفوقَ الحقِّ : جاوزه . وكذا تعدّى الشيءَ : جاوزه . فهما بمعنىً .
أتَيا أهْلَ قَرْيةٍ استطعما أهلها
قال تعالى :
« حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً » .
« 3 »
قال المتعرّب : والوجه استطعماهم .
قال العلّامة البلاغي : ولعلّه توهّم أنّ الجملة ( استطعما أهلها ) جواب « إذا » ، ولم يدر أنّها وصف للقرية ( أي القرية التي استطعما أهلها . . . ) . وجواب « إذا » إنّما هو قوله تعالى في آخر الآية :
« قالَ لَوْ شِئْتَ . . . » .
« 4 »
قال الإمام الرازي : التكرير قد يكون للتأكيد وهو معروف واقع في اللغة كقول الشاعر :
ليت الغراب غداة ينعب دائما * كان الغراب مقطّع الأوداج « 5 »
وقال أبوحيّان الغرناطي : وتكرّر لفظ
« أَهْلَ »
على سبيل التوكيد . وقد يظهر له فائدة عن التوكيد ، وهو أنّهما حين أتيا أهل القرية لم يأتيا جميع أهل القرية ، إنّما أتيا بعضهم ، فلمّا قال « استطعما . . . » احتمل أنّهما لم يستطعما إلّا أولئك البعض الذين أتياهم ، فجيء بلفظ « أهلها » ليعمّ جميعهم وأنّهم تتبّعوهم واحدا واحدا بالاستطعام منهم فأبوا جميعا أن
هامش
( 1 ) - البقرة 229 : 2 .
( 2 ) - ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 425 .
( 3 ) - الكهف 77 : 18 .
( 4 ) - الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 389 .
( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 21 ، ص 156 .