لمدخلية ذلك أصلًا في انضباط الإنسان داخل المجتمع بلحاظ أنّه مالم ينفتح وجدانه على القواعد القانونية لايتحقّق تفاعله الإيجابي معها . لاحظ قوله تعالى :
« وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ » .
« 1 » فالتفكير الصحيح يقود إلى الاستنتاج الصحيح ، والاستنتاج الصحيح يقود إلى الاعتقاد السليم ، والاعتقاد السليم يقود إلى الانقياد إلى الحقّ ، وفيه السلامة والنجاة .
ويتّجه القرآن الكريم بعد ذلك إلى ضبط الفعّاليات داخل نطاق الأسرة بصفتها « الوحدة الاجتماعية المصغّرة » ، بلحاظ أنّ الأسرة تمثّل بيئة الإنسان ومهدِهِ وأجواء تنشئته ، وهو ينشدُّ إليها لأكثر من اعتبار .
لقد كان تدخّل القرآن الكريم في تنظيم العلاقات وتقنينها داخل نطاق الأسرة تدخّلًا واسعا وتفصيليا ، إذ أخضعها إليه تكوينا وصياغةً وإنشاءً ، وأحكمها وفق ضوابط معيّنة ، وحدَّد بدقّةٍ الحقوق والواجبات حفاظا عليها من الانحلال ، آخذا بنظر الاعتبار طبيعة الإنسان ، وما يمكن أن يحدث من إشكاليات ، وما يحتمل من طوارئ بما في ذلك انحلال الزواج وما قد ينشأ عنه من آثار تستدعي المعالجة الحاسمة ، فقال تعالى مثلًا :
« أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ » .
« 2 »
ثمّ نجدُ القرآن الكريم بعد إنجاز هذه المهمّة يتّجه إلى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة بتقنين العلاقات المختلفة الناشئة من الأنشطة الاقتصادية أو غيرها ، وما ينشأ أيضا من التزامات بحكم الفعل والتصرّف .
ومن هنا نجدُ العناية بالحقوق الخاصّة والعامّة ، وإذا كان هذا ما يمكن ملاحظته وتسجيله من خلال عملية استقراء لمقاصدَ القرآن وأهدافه وغاياته ، وما يمكن تلمّسه بوضوح في مواد كثيرة - كما سيتّضح - فكلّ ذلك يُشكّل في نظرنا الملامح العامّة لاتجاهات التقنين في القرآن الكريم .
إنَّ المعالم الأساسية أو الهيكل العامّ للنظرية القرآنية يمكن تصويره كما يأتي : يبدأ
هامش
( 1 ) - آل عمران 191 : 3 .
( 2 ) - الطلاق 6 : 65 .