عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
« 1 »
ويظهر هنا أنّ القرآن الكريم قد شخّص الحقيقة الموضوعية القائلة بأنّ الإنسان بصفته خاضعا لظروف الزمان والمكان ، وينبعث دائما في تقييماته وآرائه من نزعاته وأهوائه لذلك . فمن الطبيعي سيادة حالة التظالم والخصومات والاعتداء ، كما أشار إلى ذلك القرآن قائلًا :
« قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ » .
« 2 »
واستنادا إلى ذلك فالإنسان عندما يتصدّى لوضع القواعد القانونية سيكون تحت تأثير تلك النزعات والأهواء ، ومن هنا اتّجه القرآن الكريم إلى بيان الشريعة العامّة ، وتكفّل بتحديد القواعد والمبادئ والأحكام العادلة والملائمة للإنسان ، كما نبّه إلى ذلك في قوله تعالى :
« ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » ،
« 3 » ولقد تضمّنت تلك القواعد والأحكام الحلول والمعالجات لإشكاليات الحياة الإنسانية ، كما أنّها وفت بحاجات الإنسان الروحية والماديّة على حدٍّ سواء .
إنَّ الهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن التصوّر القرآني العامّ - أي نظرية القرآن - في تقنين المجتمع ، وذلك بتحديد الأسس والمنطلقات التي تقوم عليها النظرية . ثمّ تبيّن الجوانب الأساسية فيها من القواعد الملزمة في نطاق الأسرة ، بصفتها المجتمع المصغّر ، وفي ميدان الفعّاليات والعلاقات بين أفراد المجتمع .
* * * إنَّ القرآن الكريم في نظريته لتقنين المجتمع ينطلق أولًا من حقيقةٍ مفادها أنّ تغيير المجتمع الإنساني وتطويره باتّجاه الكمال والرقيّ والصلاح لايتحقّق مالم يتمّ تغيير المحتوى الداخلي للإنسان ، فكرا ونفسيةً وقناعاتٍ وسلوكا ، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » ،
« 4 » والتغيير هنا أشمل وأعمّ .
واستنادا إلى ذلك يتّجه القرآن الكريم في إطار تقنين المجتمع إلى وضع المنهج الشامل لضبط التفكير والفعّاليات العقلية ، وهذا له أولويته في التصوّر القرآني - كما نعتقد -
هامش
( 1 ) - البقرة 38 : 2 .
( 2 ) - الأعراف 24 : 7 .
( 3 ) - الجاثية 18 : 45 .
( 4 ) - الرعد 11 : 13 .