حكم سورة واحدة متصل بعضها ببعض .
قال الزمخشري : والاعتراض صحيح ، لأنّها لم تقع مزيدة إلّا في وسط الكلام . ولكن الجواب غير سديد . ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهلّ قصيدته !
قال : والوجه أن يقال : هي للنفي . والمعنى في ذلك أنّه : لا يقسم بالشَيء إلّا إعظاما له ، يدلّك عليه قوله تعالى :
« فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ »
. فكأنّه بإدخال حرف النفي يقول : إنّ إعظامى له بإقسامي به كَلا إعظام ، يعنى أنّه يستأهل فوق ذلك .
قال : وقيل : إنّ « لا » نفيٌ لكلامٍ وردٌّ له قبل القسم ، كأنّهم أنكروا البعث فقيل : لا ، أي ليس الأمر على ما ذكرتم . ثمّ قيل : اقسم بيوم القيامة . « 1 »
قال ابن هشام : « لا » الزائدة تدخل في الكلام لمجرّد تقويته وتوكيده ، نحو
« ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
أن لا تتبعني » « 2 » .
« ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ »
« 3 » . ويوضّحه الآية الأخرى :
« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ »
« 4 » . ومنه
« لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ »
« 5 » أي ليعلموا . وقوله :
أبى جُودُه لا البُخلَ ، واستعجلَتْ به * نَعَمْ ، من فتىً لا يمنعُ الجوعَ قاتلَه « 6 »
قال : واختلف فيها في مواضع من التنزيل :
منها قوله تعالى
« لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ »
. فقيل : هي نافية ، واختلف هؤلاء في منفيّها على قولين ؛ أحدهما : أنّه شَيء تقدّم ، وهو ما حكى عنهم كثيرا من إنكار البعث ، فقيل لهم :
ليس الأمر كذلك ، ثمّ استونف القسم . قالوا : وإنّما صحّ ذلك لأنّ القرآن كلّه كالسورة
هامش
( 1 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 658 - 659 .
وهكذا اختار الأستاذ محمد عبده مختار الزمخشري في إفادة النفي إعظاما للمقسم به . تفسير جزء عم ، ص 29 .
( 2 ) - . طه 92 : 20 .
( 3 ) - . الأعراف 12 : 7 .
( 4 ) - . ص 75 : 38 .
( 5 ) - . الحديد 29 : 57 .
( 6 ) - . « لا البخل » بإضافة « لا » إلى البخل . أي لا ، المنسوبة إلى صفة البخل والّتي يستعملها البخيل . يقول الشاعر : أبى جودُه أن يستعمل « لا » الّتي يستعملها البخلاء . واستعجلت به لفظة « نَعَم » . وقاتل الجوع : الطعام . أي لا يتمانع من إعطاء الجوع قاتلَه .