لها في مفهوم الكلام ، شأن سائر الزيادات اللفظية أثناء الكلام . فهذا شَيء ننكره أشدّ الإنكار . وقد بالغ شيخنا الحجّة البلاغي في إنكاره ورفض احتماله بتاتا .
قلت : لا شكّ أنّ سياق الكلام في هكذا موارد سياق القسم المؤكّد ، وليس سياق محض النفي . وذلك للتعقّب بالجواب في جميعها . والجواب ، ترتّب ثابت على ثابت ، ولا ترتّب على منفيّ . وإليك تفصيل الكلام في ذلك :
ذكر الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى :
« فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ . . . »
« 1 » - : معناه :
فاقسم ، و « لا » مزيدة مؤكّدة ، مثلها في قوله :
« لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ »
« 2 » . ويتأيّد بقراءة الحسن : « فلُاقسم . . . » . ومعناه : فلأنا اقسم ، لتكون اللام لام الابتداء ، لا لام القسم ، إذ كان يجب حينذاك أن تلحق الفعل نون التأكيد . . . « 3 »
وقال - عند قوله تعالى :
« لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . . . »
- أي ليعلم ، و « لا » مزيدة . ولم يزد شيئا . « 4 »
لكنّه - عند قوله تعالى :
« لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ . . . »
« 5 » - فصّل في الكلام ، قال : إدخال « لا » النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم . قال امرؤ القيس :
لا وأبيكِ ابنةَ العامريّ * لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
وقال غوثة بن سلمى :
ألا نادت امامةُ باحتمال * لتحزنني فلا بِكِ لا أبالي
قال : وفائدتها توكيد القسم .
وقالوا : إنّها صلة ، مثلُها في
« لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ »
، وفي قوله :
في بئر لا حور سَرَى وما شعر * بإفكه حتى إذا الصبح جشر « 6 »
واعترضوا عليه بأنّها إنّما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله . وأجابوا بأنّ القرآن في
هامش
( 1 ) - الواقعة 75 : 56 .
( 2 ) - الحديد 29 : 57 .
( 3 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 468 .
( 4 ) - المصدر ، ص 483 .
( 5 ) - القيامة 1 : 75 .
( 6 ) - جَشَر : أضاء واتّضح .