وهكذا يقترب من مقصوده مليّا . . . وهو فنّ من أساليب البيان ، دقيق مسّه ، رقيق رمسه . قلّ من يتوفّق لمثله في قدرة الاستحواذ على مشاعر من سمع الخطاب . « إنّ مِن البيانِ لَسحرا » .
أنشد ابن المعتزّ لنفسه :
أسرفتُ في الكتمان * وذاك منّي دَهاني « 1 »
كتمتُ حبّك حتّيكتمتُه كتماني
فلم يكن لي بدّمن ذكره بلساني
قال ابن رشيق : وهذه الملاحة نفسُها ، والظرف بعينه .
وقال أبو نؤاس :
سخُنت من شدّة البرودة ح - * - تى صرت عندي كأنّك النار
لا يعجب السامعون من صفتيَّ * كذلك الثلج بارد حارّ
قال ابن رشيق : فهذا مذهب كلاميّ فلسفي . « 2 »
* * * قال ابن معصوم : وهذا النوع أول من ذكره الجاحظ : وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجّة على مايدّعيه على طريقة المتكلّمين ، وهي أن تكون بعد تسليم المقدّمات مستلزمة للمدّعى . « 3 »
قال ابن أبيالإصبع : وزعم الجاحظ أنّه لا يوجد منه شيء في القرآن . والكتابُ مشحون به « 4 » ومنه محاججات إبراهيم عليه السلام مع قومه من قوله تعالى :
« وَحاجَّهُ قَوْمُهُ
( إلى قوله : )
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ » .
« 5 » وذكروا أنّ من أول سورة الحج إلى قوله :
« وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » .
« 6 » خمس نتائج تستنتج من عشر مقدّمات رتيبة .
وذكر أبو الحسن الرمّاني - في الضرب الخامس من باب المبالغة - : إخراج الكلام
هامش
( 1 ) - دهي فلانا : أصابه بداهية .
( 2 ) - العمدة ، ج 2 ، ص 79 و 80 .
( 3 ) - أنوار الربيع ، ج 4 ، ص 356 .
( 4 ) - بديع القرآن ، ص 37 .
( 5 ) - الأنعام 80 : 6 - 83 .
( 6 ) - الحج 1 : 22 - 7 .