منضمّا إلى ما فيه من ائتلاف اللفظ والمعنى والتهذيب وحسن النسق والتمثيل وحسن البيان والمساواة ، لتعلم أنّ هذا الكتاب العزيز - بأمثال هذه الآية - عجَّز الفصحاء وبلّد الأذكياء وأعيى على البلغاء . « 1 »
الاستخدام
أن يؤتى بلفظ يحتمل معنيين أو معاني ، فيراد به أحد معانيه ، ثمّ يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر ، مجازا أو حقيقةً بالاشتراك ، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين .
وهي طريقة في البيان أشبه بالتورية ، قلّ من يستطيع سلوكها بسلام وتجنّب لأخطارها ، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع ، بإجمال أو إبهام في كلام .
لكنّه فنّ بديع وأسلوب رقيق ، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان ، ويكون آخذا وثيقا بأعنّة الكلام يوجّهه حيثما شاء ، لا يخاف دركا ولايخشى . وقد استعمله القرآن بسهولة ويُسر وسلامته عن الخلل والفساد ، الأمر الذي لا يوجد نظيره في سائر الكلام .
من ذلك قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا » .
« 2 »
فالصلاة مراد بها أولًا معناها المعهود . لكنّه في قوله :
« وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ »
أريد موضعها وهو المسجد ، حيث كان المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد .
* * * ومثّل له ابن أبيالإصبع بقوله تعالى :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .
« 3 »
فالكتاب في
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ »
يحتمل معنيين : الأمد المحدود لايتغيّر ولا يتبدّل ، كقوله تعالى :
« حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ »
« 4 » أي أمده المقرّر شرعا وهو تمام العدّة . والمعنى
هامش
( 1 ) - بديع القرآن ، ص 46 - 48 .
( 2 ) - النساء 43 : 4 .
( 3 ) - الرعد 38 : 13 - 39 .
( 4 ) - البقرة 235 : 2 .