التتميم
وهو من ظرف البديع وكماله وبلاغه . قال ابن رشيق : هو أن يحاول الشاعر أو المتكلّم معنىً ، فلا يدع شيئا يتمّ به حسنه إلّا أورده وأتى به ، إمّا مبالغةً وإمّا احتياطا واحتراسا من التقصير . « 1 » وفسّره بعضهم بأن يكون المتكلّم آخذا في معنى ، فيعترضه شكّ في إيفاء كلامه ، أو احتمال رادّ سوف يردّ عليه ، أو إثارة سؤال يحاول الإجابة عليه فرضا وتقديرا في الكلام . فيلتفت قبل فراغه من التعبير عن ذلك المعنى ، فيبادر إلى إزالة كلّ شبهة محتملة ، وحلّ كلّ مشكلة معترضة ، والإجابة على أيّ سؤال سوف يثيره الكلام « 2 » ليكون كلامه وافيا شافيا ومؤدّيا تمام الغرض وكمال المراد . وهذا من ظرف البديع وكمال البلاغة في الكلام .
وقد جاء في القرآن على أحسنه وأفضله ، منها قوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا » .
« 3 » فإنّ السري لا يكون إلّا بالليل ، فذكره يغني عن قوله :
« لَيْلًا »
لولا إرادة تتميم الفائدة للدلالة على تقليل المدّة ، بمعنى أنّ السري وقع في بعض الليل ، يدلّ عليه التنكير .
قال الزمخشري : فإن قلت : الإسراء لا يكون إلّا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلت : أراد بقوله :
« لَيْلًا »
بلفظ التنكير ، تقليل مدّة الإسراء ، وإنّه أسرى به في بعض الليل من مكّة إلى الشام - مسيرة أربعين ليلة - وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية . « 4 »
وقوله تعالى :
« وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً » .
« 5 » فقوله :
« وَهُوَ مُؤْمِنٌ »
تتميم في غاية الحسن ، وأفاد الشرط الأول في قبول الطاعات ، فلو حذفت هذه الجملة لاختلّ المعنى .
وقوله تعالى :
« وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً » .
« 6 » والشاهد في قوله :
« عَلى حُبِّهِ »
إن عاد الضمير على الطعام ، فيزيد تأكيدا لمعنى الإيثار المقصود من الكلام . أي مع حاجتهم إليه آثروا غيرهم على أنفسهم . فهو تتميم أفاد المبالغة المقبولة ، فلو
هامش
( 1 ) - العمدة ، ج 2 ، ص 50 .
( 2 ) - وهذا بمعنى الاستدراك أشبه .
( 3 ) - الإسراء 1 : 17 .
( 4 ) - الكشاف ، ج 2 ، ص 646 .
( 5 ) - طه 112 : 20 .
( 6 ) - الإنسان 8 : 76 .