أن يقدّر المحذوف عسر عليه .
فممّا جاء منه قوله تعالى :
« وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ . وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ . اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ » .
« 1 »
فهذا الكلام إذا تأمّلته لم تجده متّصل المعنى ، ولم يتبيّن وجه لمجيء ذكر داود عليه السلام رادفا لقوله :
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »
. وإذا أردت أن تقدّر هنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليك .
وتقديره يحتمل وجهين :
أحدهما : أنّه قال :
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »
، وخوّفهم أمر معصية اللّه ، وعظّمها في عيونهم بذكر قصّة داود الذي كان نبيّا وقد آتاه اللّه الملك والنبوّة ، ومع ذلك لمّا زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا ، فما الظنّ بكم أنتم مع كفركم ؟
والوجه الآخر : أنّه قال :
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »
واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء ممّا كلّفته من مصابرتهم ، واحتمال أذاهم . واذكر أخاك داود وكرامته على اللّه كيف زلّ تلك الزلّة ، فلقيمن توبيخ اللّه مالقى ؟ !
فهذا الكلام كما ترى يحتاج إلى تقدير ، حتى يتّصل بعضه ببعض ، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات . وبه يتنبّه على مواضع أخرى غامضة .
* * * ومن هذا الضرب ، وكأنّ الجمل المحذوفة غير تامّة ، قوله تعالى :
« يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى
( إلى قوله : )
بُكْرَةً وَعَشِيًّا . يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » .
« 2 »
تقديره : ولمّا ولد له الغلام المبشّر به ونشأ وترعرع قلنا له :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ !
وعلى هذا المنهج ورد قوله تعالى :
« وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ
( إلى قوله : )
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى . قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . . . » .
« 3 »
هامش
( 1 ) - ص 15 : 38 - 17 .
( 2 ) - مريم 7 : 19 - 12 .
( 3 ) - طه 90 : 20 - 92 .