شاهدا لموسى عليه السلام وماجرى له وعليه ، ولكنّا أوحينا إليك . فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ، ودلّ به على المسبّب الذي هو الوحي ، على عادة اختصارات القرآن .
وتقدير الكلام : ولكنّا أنشأنا - منذ انقطاع الوحي بعد موسى - قرونا كثيرة ، فتطاول عليهم العمر ، أي أمد انقطاع الوحي ، فاندرست العلوم واختلّت المعارف بشؤون الأنبياء ، ومن جملتها العلم بسيرة موسى عليه السلام ، فدعت الحاجة إلى تجديد الوحي ببعث نبيّ جديد ، فأرسلناك وعرّفناك العلوم والمعارف . فالمحذوف جملة مقيّدة ، وهي جملة مطوّلة ، دلّ السبب فيها على المسبّب .
وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا :
« وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » .
« 1 »
فإنّ فيه تقديرا لولاه لم يستقم نظم الكلام . تقديره : ولكن عرّفناك ذلك ، وأوحيناه إليك رحمةً من ربّك ، لتنذر قوما . . . فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله صلى الله عليه وآله إلى الناس ، ودلّ بها على المسبّب الذي هو الإرسال .
وممّا حذف فيه الجملة غير التامّة من باب حذف المسبّب لدلالة السبب ، قوله تعالى - حكاية عن مريم عليهاالسلام - :
« قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا . قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » .
« 2 »
فقوله :
« وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً . . . »
تعليل معلّله محذوف ، أي : وإنّما فعلنا ذلك لنجعله آيةً للناس . فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله ، وهو جعله آيةً للناس ، ودلّ به على المسبّب الذي هو الفعل .
وأمّا الاكتفاء بالمسبّب عن السبب فكقوله تعالى :
« فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ » .
« 3 » أي : إذا أردت قراءة القرآن فاكتفي بالمسبّب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة .
هامش
( 1 ) - القصص 46 : 28 .
( 2 ) - مريم 20 : 19 - 21 .
( 3 ) - النحل 98 : 16 .