ليقولوه ، وبذلك يتّقون أن يُفسد الشيطان مابينهم من مودّة ، بكلمة خشنة تفلت ، وبالردّ السّييتلوها . فإذا جوّ المحبّة والوداد يشوب بالخلاف ثمّ بالجفوة ثمّ بالعداء . أمّا الكلمة الطيّبة فتأسو جراح القلوب « 1 » وتندّى جفافها وتجمعها على الودّ الكريم .
وهكذا واجه النبي صلى الله عليه وآله خصوم الدعوة في لطف ومداراة :
« قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلِ : اللَّهُ ! وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » .
« 2 »
وهذه غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال : أن يقول نبيّ كريم - وهو يدعو إلى الحقّ - لخصومه الذي يحاول إنقاذهم من ضلال : أن لابدّ أحدنا أن يكون على هدى والآخر على ضلال . ثمّ يدع تحديد المهتدي منهما والضالّ ، ليثير التدبّر والتفكّر في هدوء لاتغشى عليه العزّة بالإثم ، والرغبة في الجدال والمحال ! فإنّما هو هادٍ ومعلّم - يبتغي هداهم وإرشادهم ، لا إذلالهم وإفحامهم !
ومشهد آخر من هذاالنوع من الوَداعة في الخطاب ، ما نطق به القرآن عن لسان الرسول :
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ؟ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ! إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ . إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ! » .
« 3 »
حوار لطيف في تؤدة وسلام ، يؤنبّهم في صياغة الحديث عن النفس ، ليكون آكد في الدلالة على إخلاص الدعوة . إنّه تساؤل الفطرة الشاعرة بمبدأ الخليقة ، المشدودة إلى مصدر وجودها الوحيد . . وما الذي يحيد به عن الصراط السويّ الذي لمسه في وجوده ، مادّا إلى اللّه ومنتهيا إليه وحده لا شريك له ! ؟
« إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » !
ولكنّه الوعي الصادق يقرّر قراره الأخير
« إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ »
يدعوهم إلى الإصغاء لهذا النداء الباطن . وهو صوت الفطرة أقوى من كلّ تهديد وأشدّ وقعا من كلّ تكذيب ، فليصغوا لهذا الوعي النفسي المنبثق في ضمير كلّ إنسان حرّ ، متحرّر عن
هامش
( 1 ) - يقال : أسا الجرح : داواه .
( 2 ) - سبأ 24 : 34 .
( 3 ) - يس 22 : 36 - 25 .