فيه . وهو سبب صالح ، إذ التوسّع في الكلام أمرٌ مطلوب .
وقد ورد في القرآن الكريم ، كقوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » .
« 1 »
فنسبة القول إلى السماء والأَرض من باب التوسّع ، لأنّهما جماد ، والنطق إنّما هو للإنسان لاللجماد ، ولامشاركة هاهنا بين المنقول والمنقول إليه .
وكذلك قوله تعالى :
« فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » .
« 2 »
* * * قال عبد القاهر : وأمّا المفيد من الاستعارة فهو الذي يترتّب عليه فائدة وغرض من الأغراض لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل ، وذلك الغرض هو التشبيه على أنحائه الكثيرة . ومثاله : قولنا : رأيت أسدا ، وأنت تعني رجلًا شجاعا . وبحرا ، تريد رجلًا جوادا .
وبدرا ، تريد إنسانا مضيء الوجه متهلّلًا . وتقول : سللت سيفا على العدوّ ، تريد رجلًا ماضيا في نصرتك ، أو رأيا نافذا . وما شاكل ذلك ، فقد استعرت اسم الأسد للرجل ، ومعلوم أنّك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك ، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته ، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته ، ممّا يعود إلى الجرأة والبسالة ، وهكذا في غيره من الأمثلة .
قال : والاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأوّل ، وهي أمدّ ميدانا ، وأشدّ افتنانا ، وأكثر جريانا ، وأعجب حسنا وإحسانا ، وأوسع سعةً ، وأبعد غورا ، وأذهب نجدا في الصناعة وغورا ، من أن تجمع شعبها وشعوبها ، وتحصر فنونها وضروبها . نعم وأسحر سحرا ، وأملأ بكلّ ما يملأ صدرا ، ويمتّع عقلًا ، ويؤنس نفسا ، ويوفّر انسا ، وأهدى إلى أن تهدى إليك عذارى قد تُخيّر لها الجمال ، وعُني بها الكمال .
ومن الفضيلة الجامعة فيها : أنّها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدّة تزيد قدره
هامش
( 1 ) - فصّلت 11 : 41 .
( 2 ) - الدخان 29 : 44 . راجع : المثل السائر ، ج 2 ، ص 79 - 81 .