نبلًا ، وتوجب له بعد الفضل فضلًا . وأنّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد ، حتى تراها مكرّرة في مواضع ، ولها في كلّ واحد من تلك المواضع شأن مفرد ، وشرف منفرد ، وفضيلة مرموقة ، وخلابة موموقة . « 1 »
ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها : أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ ، حتى تخرج من الصَدفة الواحدة عدّة من الدرر ، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر .
وإذا تأمّلت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة ، ومعها يستحقّ وصف البراعة ، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها « 2 » وتقصر عن أن تنازعها مداها .
وصادفتها « 3 » نجوما هي بدرها ، وروضا هي زهرها ، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل ، وكواعب مالم تحسنها فليس لها في الحسن حظّ كامل . فإنّك لترى بها الجماد حيّا ناطقا ، والأعجمُ فصيحا ، والأجسام الخُرس مبيّنة ، والمعاني الخفية بادية جلية !
وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزّ منها ، ولا رونق لها مالم تزنها ، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة مالم تكُنها . « 4 » إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل ، كأنّها قد جسّمت حتى رأتها العيون . وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية ، حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون .
وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها ، وإنّما ينجلي الغرض منها ويبين إذا تُكلِّم على التفصيل وافرد كلّ فنّ بالتمثيل . « 5 »
الاستعارة في مدارج البلاغة
قال عبد القاهر : إنّ الاستعارة - كما علمت - تعتمد التشبيه أبدا ، وطرقه تختلف ،
هامش
( 1 ) - الخلابة : الجذب بلطائف الكلام . الومق : التودّد .
( 2 ) - أي حلي الاستعارة ، وهكذا سائر الضمائر في الجمل التالية .
( 3 ) - عطف على « وجدتها » حيث كان جوابا للشرط .
( 4 ) - أي إذا لم تكن على وجه الاستعارة .
( 5 ) - أسرار البلاغة ، ص 24 و 33 .