في قولك : رأيت شمسا ، تريد إنسانا يتهلّل وجهه كرائعة الشمس . وهكذا قولك : رأيت أسدا ، تريد رجلًا متّصفا بالشجاعة كالأسد المعروف بها . فرونق الوجه الحسن في حسّ البصر مجانس لتلألؤ ضوء الأجسام النيّرة . وكذا حقيقة الشجاعة التي عمودها انتفاء المخافة عن القلب ، فلا يخامره وهنٌ على الإقدام ولاخوف من العدوّ . الأمر الذي يشترك فيه الإنسان الشجاع والأسد اشتراكا في الحقيقة .
وضربٌ ثالث ، وهو الصميم الخالص من الاستعارة ، وحدّه أن يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية ، كاستعارة النور للبيان والحجّة الكاشفة عن الحقّ ، المزيلة للشكّ ، النافية للريب . كما في قوله تعالى :
« وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ »
« 1 » وكاستعارة الصراط المستقيم للدين . إذ ليس بين النور - وهو من صفة الجسم وهو محسوس - وبين الحجّة - وهو كلام - تناسب في حقيقتيهما ، إلّا أنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور . وهو شبه ليس على جنس ، ولا على طبيعة وغريزة ، ولا هيئة وصورة تدخل في الخلقة ، وإنّما هو صورة عقلية .
قال : وهذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ الاستعارة عندها غاية شرفها ، ويتّسع لها المجال كيف شاءت في تفنّنها وتصرّفها . وهاهنا تخلص لطيفة روحانية ، فلا يبصرها إلّا ذوو الأذهان الصافية ، والعقول النافذة ، والطباع السليمة ، والنفوس المستعدّه لأن تعي الحكمة ، وتعرف فصل الخطاب .
ولها هاهنا أساليب كثيرة ، ومسالك دقيقة مختلفة . إلّا أنّ لها اصولًا كما يلي :
أحدها : أن يؤخذ الشبه من المشاهدات والمدركات بالحواس للمعاني المعقولة .
ثانيها : أن يؤخذ الشبه من المحسوس لمثله ، إلّا أنّ الشبه عقلي .
ثالثها : أن يؤخذ الشبه من المعقول للمعقول .
مثال الأوّل ما ذكرناه من استعارة النور للحجّة والبيان . « 2 »
هامش
( 1 ) - الأعراف 157 : 7 .
( 2 ) - أسرار البلاغة ، ص 46 - 50 .