فكلّما كان التشبيه أدقّ وأعمق كانت الاستعارة أرق وأرقى . وهي ترتقي من الضعف إلى القوّة ثمّ بما يزيد في ارتقائها .
فأوّل هذه الضروب أن يكون وجه الشبه موجودا في كلا الطرفين ، لكن مع خصائص ومزايا ومراتب في الفضيلة أو الكمال ، فتستعير لفظ الأفضل لما هو دونه . ومثاله : استعارة الطيران لغير ذي جناح ، مرادا به السرعة . كما جاء في الحديث ، « خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه ، كلّما سمع هيعة طار إليها » والهيعة : صوت الفزع . فشبّه سرعة الحركة بطيران الطير ، واستعير لها لفظه .
وكذا انقضاض الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علوّ . والسباحة له إذا عدا عدوا شبيها بحالة السباحة في لين وسلاسة ، ومعلوم أنّ الطيران والانقضاض والسباحة والعدو كلّها جنس واحد من حيث الحركة ، إلّا أنّهم نظروا إلى خصائص الأشياء في حركتها ، فأفردوا كلّ حركة في نوعها باسم ، وإذا وجدوا في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه استعاروا له العبارة من ذلك الجنس .
ومن هذا الضرب قوله تعالى :
« وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ » ،
« 1 » أي وفرّقناهم . والتمزيق تفريق بين قطع الثوب ، فاستعير لمطلق التفريق . ومثله أيضا قوله تعالى :
« وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً » .
« 2 » أي فرّقناهم فيها ، تشبيها بتقطيع الثوب وتفريق أجزائه . « 3 »
ومنه عند السكاكي قوله تعالى :
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
« 4 » شبّه الشيب بشواظ النار ، في توقّده وإنارته . وشبّه انتشاره وانبساطه في الشَّعر باشتعال النار ، فأخرج مخرج الاستعارة .
قال الزمخشري : ومن ثمّ فَصُحَت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة . « 5 »
وضربٌ ثانٍ يشبه هذا الضرب ، غير أنّ الشبه في صفة هي موجودة في كلّ من المستعار منه والمستعار له على حقيقتها ، سوى أنّها في المستعار منه أكمل وأجلى ، كما
هامش
( 1 ) - سبأ 19 : 34 .
( 2 ) - الأعراف 168 : 7 .
( 3 ) - أسرار البلاغة ، ص 41 - 44 .
( 4 ) - مريم 4 : 19 .
( 5 ) - الكشّاف ، ج 3 ، ص 4 ؛ ومفتاح العلوم ، ص 183 .