أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » .
« 1 » أو
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ » .
« 2 » أو
« الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي » .
« 3 »
وكلّها تجسّم هذه الحواجز المعنوية ، كأنّما هي موانع حسّية ، لأنّها في هذه الصورة أوقع وأظهر .
* * * وقد يكون الوصف حسّيا بطبيعته ، فيختار عن الوصف هيئة تجسّمه ، كقوله :
« يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ »
« 4 » في مكان يأتيهم من كلّ جانب ، أو يحيط بهم . لأنّ هيئة الغشَيان من فوق ومن تحت أدخل في الحسّية من الوصف بالإحاطة . ومثله
« إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ »
« 5 » و
« وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » .
« 6 »
ومن هذا النوع :
« كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً »
« 7 » فهذا السواد الذي أصاب وجوهَهم ليس لونا ولا صبغة ، وإنّما هو قطعة من الليل المظلم غشت وجوهَهم .
ومن « التجسيم » وصف المعنوي بمحسوس ، كوصف العذاب بأنّه غليظ
« وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ »
« 8 » واليوم بأنّه ثقيل :
« وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا » .
« 9 »
فيتنقّل العذاب من معنىً مجرّد إلى شيء ذي غلظ وسمك . وينتقل اليوم من زمن لايُمْسك إلى شيء ذي كثافة ووزن .
وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس ، كقوله :
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »
« 10 » لبيان أنّ القلب الإنساني لايتّسع لاتّجاهين . ومثل :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ
هامش
( 1 ) - يس 8 : 36 - 9 .
( 2 ) - البقرة 7 : 2 .
( 3 ) - الكهف 101 : 18 .
( 4 ) - العنكبوت 55 : 29 .
( 5 ) - الأحزاب 10 : 33 .
( 6 ) - المائدة 66 : 5 .
( 7 ) - يونس 27 : 10 .
( 8 ) - إبراهيم 17 : 14 .
( 9 ) - الإنسان 27 : 76 .
( 10 ) - الأحزاب 4 : 33 .