وتلك صورة عجيبة ، فمن يئس من نصرة اللّه لنبيه ، وضاق صدره ، وبلغ حنقه على هذه الحال مبلغا لا يطيقه ، فليحاول أن يغيّر من هذه الحال مااستطاع ، ما دام لايصبر ، ولا ينتظر وعد اللّه بالنصر . ليمدد إلى السماء بحبل يتعلّق به ليصعد عليه ، فإذا لم يجده هذا فليقطع هذا الحبل الممدود . ثمّ لينظر : هل أفلح تدبيره هذا في إذهاب ما يغيظه ؟ لينظر ، إن كان قد بقي فيه شيء ينظر ، بعد قطع حبله الممدود ، وبعد السقطة التي يترقّبها الخيال .
ومن هذا القبيل - مع شيء من التحوير والتلطيف يناسب المخاطب هنا ، وهو النبي صلى الله عليه وآله وقد عزّ عليه إعراض المشركين ، وتمنّى لو يستطيع هدايتهم للحقّ ، وإتيانهم بالمعجزة التي يطلبون - :
« وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ » .
« 1 »
* * * ولون من « التخييل » يتمثّل في الحركة الممنوحة لما من شأنه السكون كقوله :
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
« 2 » فحركة الاشتعال هنا تخيّل للشيب في الرأس حركة كحركة اشتعال النار في الهشيم ، فيها حياة وجمال ، كما أسلفنا .
تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
وأما « التجسيم » فقد وردت له أمثلة كثيرة في فصل « التصوير الفنّي » كذلك . ومنه كلّ التشبيهات التي جيء بها لإحالة المعاني والحالات صورا وهيئات ، نذكر منها :
« مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ » .
« 3 » و
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ » .
« 4 » و
« مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً
هامش
( 1 ) - الأنعام 35 : 6 .
( 2 ) - مريم 4 : 19 .
( 3 ) - إبراهيم 18 : 14 .
( 4 ) - البقرة 264 : 2 .