وفي كلّ مثال من هذه يجتمع التجسيم - بإحالة المعنى جسما - مع التخييل بحركة هذا الجسم المفروضة .
* ومن ذلك :
« بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ »
« 1 » و
« أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا »
« 2 » فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا مادّيا تتحرك حركة الإحاطة . وبعد أن تصبح الفتنة لجّة يتحرّكون هم بالسقوط فيها .
* ومنه :
« وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ » .
« 3 » « فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَر » . « 4 » ففي المثال الأول يصبح الحقّ والباطل مادّتين تستر إحداهما بالأخرى . وفي المثال الثاني يصبح ما امر به مادّة يشقّ بها ويصدع ، دلالة على القوّة والنفاذ .
* ومنه :
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » .
« 5 »
« فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » .
« 6 » ففي المثال الأول يستحيل الهُدى والضلال نورا وظلمة ، ثمّ تبدأ عملية الإخراج المتخيّلة . وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة ، ثمّ تبدأ الحركة المتخيّلة في الاستمساك بها . فتؤدّي هذه الصور المجسّمة المتحرّكة إلى تمثّل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرّد .
بهذه الطريقة المفضّلة في التعبير عن المعاني المجرّدة سار الأسلوب القرآني في أخصّ شأن يوجب فيه التجريد المطلق والتنزيه الكامل ، فقال :
« يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ » .
« 7 »
« وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » .
« 8 »
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » .
« 9 »
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ »
. « 10 »
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ » .
« 11 »
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ
هامش
( 1 ) - البقرة 81 : 2 .
( 2 ) - التوبة 49 : 9 .
( 3 ) - البقرة 42 : 2 .
( 4 ) - الحجر 94 : 15 .
( 5 ) - البقرة 257 : 2 .
( 6 ) - البقرة 256 : 2 .
( 7 ) - الفتح 10 : 48 .
( 8 ) - هود 7 : 11 .
( 9 ) - البقرة 255 : 2 .
( 10 ) - الأعراف 54 : 7 .
( 11 ) - فصّلت 11 : 41 .