وصورة المسلمين قبل أن يسلموا ، وهم
« عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ » .
« 1 »
وصورة الذي
« أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
« 2 » كلّها صور تخيّل للحسّ حركة متوقّعة في كلّ لحظة ، وتتمّ هذه الحركة في الصورة الأخيرة .
وقريب من هذه الصور في التخييل ولوج
« الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » ،
« 3 » الموعد المضروب لدخول الكافرين الجنّة بعد عمر طويل . فالخيال يظلّ عاكفا على تمثّل هذه الحركة العجيبة ، التي لاتتمّ ولا تقف ماتابعها الخيال .
والصورة التي تخيّلها الآية :
« قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » .
« 4 »
فالخيال يظلّ يتصوّر تلك الحركة الدائبة : حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات اللّه ، في غير ماتوقّف ولا انتهاء إلّا أن ينتهي البحر بالنفاد .
وشبيه بهذه الصور ما تخيّله للحسّ هذه الآية :
« فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ »
« 5 » والآية :
« وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ »
« 6 » فلفظة الزحزحة ذاتها تخيّل حركتها المعهودة . وهذه الحركة تخيّل الموقف على شفا النار ، ماثلًا للخيال والأبصار .
* * * * ولون من ألوان « التخييل » يتمثّل في الحركة المتخيّلة التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل :
« وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً »
« 7 » فتخيّل صورة الهباء المنثور التي هي صورة حسّية لإضاعة الأعمال ، وقد تقدّم ذلك . والآن تلفتنا فيها لفظة
« وَقَدِمْنا »
أنّها تخيّل للحسّ حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء . وهذا التخييل يتوارى بكلّ تأكيد لو قيل : وجعلنا عملهم هباء منثورا . حيث كانت تنفرد حركة النثر وصورة الهباء دون الحركة التي تسبقها حركة القدوم .
هامش
( 1 ) - آل عمران 103 : 3 .
( 2 ) - التوبة 109 : 9 .
( 3 ) - الأعراف 40 : 7 .
( 4 ) - الكهف 109 : 18 .
( 5 ) - آل عمران 185 : 3 .
( 6 ) - البقرة 96 : 2 .
( 7 ) - الفرقان 23 : 25 .