باب يسمّى باب « التخلّص والاقتضاب » . « 1 »
قال أهل البيان : من البلاغة حسن الابتداء ، ويسمّى « براعة المطلع » . وهو أن يتأنّق المتكلّم في أول كلامه ، ويأتي بأعذب الألفاظ وأجزلها وأرقّها وأسلسها وأحسنها نظما وسبكا ، وأصحّها مبنىً ، وأوضحها معنىً ، وأخلاها من الحشو ، والركّة والتعقيد ، والتقديم والتأخير الملبّس والذي لا يناسب .
قالوا : وقد أتت جميع فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها ، كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغيرذلك . « 2 »
قال ابن الأثير : وحقيقة هذا الركن البلاغي أن يجعل مطلع الكلام دالًاّ على المعنى المقصود منه ، إن كان فتحا ففتحا ، وإن كان هناءً فهناء ، أو عزاءً فعزاء ، وكذلك في سائر المعاني .
قال : وهذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس . ولهذا عيب على كثير من الشعراء والخطباء ، زلّتهم في هذا المقام . « 3 »
قال : وإنّما خُصّت الابتداءات بالاختيار لأنّها أول ما يطرق السمع من الكلام ، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه .
قال : ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم ، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور ( منها المسبّحات ) . وكذلك الابتداءات بالنداء في مثل قوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » .
« 4 » فإنّ عموم الخطاب ينمّ عن رعاية
هامش
( 1 ) - ذكره ابن الأثير في النوع الثالث والعشرين المثل السائر ، ج 3 ، ص 121 قال : أمّا التخلّص فهو أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني ، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره ، وجعل الأوّل سببا إليه ، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض ، من غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر . بل يكون جميع كلامه كأنّما أُفرغ إفراغا . وأمّا الاقتضاب فهو أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر ، ولا يكون بينهما علاقة في ظاهر الأمر . وهو مذهب من مذاهب العرب فيه طرافة وظرافة . وسنأتي على كلّ من القسمين في مبحث « حسن الخاتمة » إن شاء اللّه .
( 2 ) - قاله ابنمعصوم في أنوار الربيع ، ج 1 ، ص 34 .
( 3 ) - راجع ما ذكره من معايب الشعراء القدامى والمحدثين في هذا الباب . وكذلك ما أخذه ابن معصوم على مطلع قصيدة امرئ القيس . وقد ذكرنا شطرا منه فيما سبق في حقل المقارنات .
( 4 ) - النساء 1 : 4 .