تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بسلامةِ ألفاظه عن التعقيد الحاصل في مثل قول بعضهم :
وَقَبْرِ حَرْبٍ بِمَكانٍ قَفْرُ * وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
وهذا فاسدٌ لأمرين : أمّا أوّلًا : فلأنّ أكثر كلام الناس خالٍ عن التعقيد في الشعر ، والخطب ، والرسائل ، فيلزم كونها معجزةً . وأمّا ثانيا : فلأنّه لو كان الأمر كما زعموهُ لم يفترق الحالُ بين قوله تعالى :
« وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ . إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ »
« 1 » وبين قول من قال : وأعظمُ العلاماتِ الباهرة جَريُ السّفُن على الماء ، فإمّا أن يريدَ هبوبَ الريح فتجري بها ، أو يُريدَ سكونَ الريح فتَرْكُدَ على ظهْره ، أو يُريد إهلاكُها بالإغراق بالماء لأنّ ما هذا حالهُ من المعارضة سالمٌ عن التعقيد ، فكان يلزم أن يكون هذا الكلام معارضا للآية ، لاشتراكها في الخفّة والبَراءة عن الثقَل والتعقيد . ومن وجهٍ ثالث : وهو أنّه كان يلزم أن لا يقعَ تفاوت بين قوله تعالى :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »
« 2 » وبين قول العرب « القتلُ أنفى للقتل » لاشتراكهما جميعا في السلامة عن الثقل وهذا فاسدٌ . المذهب السادس : قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز إنّما هو اشتمالُه على الحقائق وتضمّنه للأسرار والدقائق التي لا تزال غَضَّةً طريَّةً على وجه الدهر ، ما تَنالُ لها غايةٌ ، ولا يوقف لها على نهاية ، بخلاف غيره من الكلام ، فإنّ ما هذا حالُه غيرُ حاصل فيه ، فلهذا كان وجه إعجازه ، وهذا فاسدٌ أيضا لأمرين : أمّا أوّلًا : فلأنّ الأصل في وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميّزا به لا يشاركه فيه غيره ، وما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنّها مشتركة ، وبيانُه هو أنّا نرى بعض من صنّفَ كتابا
هامش
( 1 ) - الشورى 32 : 42 - 34 . ( 2 ) - البقرة 179 : 2 .