في العلوم الإسلامية واعتَنى في قَبْصه « 1 » واختصاره ، فإنّ مَن بَعْدَه لا يزال يَجتني منه الفوائد في كلّ وقت ويستنبطها من ألفاظه وصرائحه كما نرى ذلك في الكتب الأُصولية والكتب الدينية والفقهيّة ، وسائر علوم الإسلام ، وإذا كان الأمر كما قلناه ، وجب الحكم بإعجازها وهم لا يقولون به .
وأمّا ثانيا : فلأنّ قوله تعالى :
« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » ،
« 2 » وقوله تعالى :
« فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » ،
« 3 » وقوله تعالى :
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
« 4 » صريحة في إثبات الواحدانيّة للّه تعالى بظاهرها وصريحها ، وما عدا ذلك من المعاني لا يخلو حالُه إمّا أن يستقلّ العقلُ بدَرْكه أو لايَسْتقلُّ بدركه ، فإن استَقَلَّ بدَرْكه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام ، فلا تفرقةَ بينه وبين غيره ، وإن كان لا يَسْتَقلُّ العقل بدَرْكه ، فذلك هو الأُمور الغيبيّة ، وهي باطلة بما أسلفناه على من قال بها ، فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنّه لا وجه لجعْل دلالته على الأسرار والمعاني وجها في إعجازه لأنّ غيره مشارك له في هذه الخصلة ، وما وقعت فيه الشركة فلا وجه لاختصاصه وجعله وجها في كونه معجزا .
المذهب السابع : قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو البلاغة ، وفسّر البلاغة باشتماله على وجوه الاستعارة ، والتشبيه ، والفصل ، والوصل ، والتقديم ، والتأخير ، والإضمار ، والإظهار ، إلى غير ذلك ، وهؤلاء إن أرادوا بما ذكروه أنّه صار فصيحا بالإضافة إلى ألفاظه ، وبليغا بالإضافة إلى معانيه ، ومختصّا بالنظم الباهر ، فهذا جيِّدٌ لا غُبارَ عليه كما سنوضّحه عند ذكر المختار ، وإن أرادوا أنّه بليغ بالإضافة إلى معانيه دون ألفاظه ، فهو خطأ ، فإنّه صار معجزا باعتبار ألفاظه ومعانيه جميعا ، وغالبُ ظَنّي أنّ هذا المذهب يُحكى عن أبيعيسى الرماني .
المذهب الثامن : قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه هو النظْمُ ، وأراد أنّ نظمَه وتأليفه هو الوجهُ الذي تميّزَ به من بين سائر الكلام فهؤلاء أيضا يُقال لهم : ما تريدون باختصاصه
هامش
( 1 ) - في جمعه .
( 2 ) - البقرة 163 : 2 .
( 3 ) - محمد 19 : 47 .
( 4 ) - الإخلاص 1 : 112 .