تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
قال : والذي يجب أن يعلم - في العلم بإعجاز القرآن - هو أن يعلم مباني الكلام وأسباب الفصاحة في ألفاظها ، وكيفيّة ترتيبها ، وتباين ألفاظها ، وكيفية الفرق بين الفصيح والأفصح ، والبليغ والأبلغ ، وتعرف مقادير النظم والأوزان ، وما به يبين المنظوم من المنثور وفواصل الكلام ، ومقاطعه ، ومبادئه ، وأنواع مؤلّفه ومنظومه . ثمّ ينظر فيما أتى به حتّى يعلم أنّه من أيّ نوع هو ، وكيف فضّل على ما فضّل عليه من أنواع الكلام ، حتّى يعلم أنّه من نظم مباين لسائر المنظوم ، ونمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم ، من أنواع الخطب والرسائل والشعر والمنظوم والمنثور والرجز والمخمّس والمزدوج والعريض والقصير . فإذا تأمّلت ذلك وتدبّرت مقاطعه ومفاتحه ، وسهولة ألفاظه ، واستجماع معانيه ، وأنّ كلّ واحد منها لوغيّرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة ، وأدلّ على المعنى منها ، وأجمع للفوائد والزوائد منها . وإذا كان كذلك ، فعند تأمّل جميع ذلك ، يتحقّق ما فيه من النظم اللائق ، والمعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة ، وإن اجتهد البليغ والخطيب . * * * قال : وفي خواصّ نظم القرآن وجوه : أوّلها : خروج نظمه عن صورة جميع أسباب المنظومات ، ولولا نزول القرآن لم‌يقع في خلد فصيح سواها ، وكذلك قال عتبة بن‌ربيعة لمّا اختاره قريش للمصير إلى النبي صلى الله عليه وآله ، قرأ عليه حم السجدة ، فلمّا انصرف قال : سمعت أنواع الكلام من العرب ، فما شبّهته بشيء منها ، إنّه ورد عليّ ما راعني . ونحوه ما حكى اللّه عن الجنّ . فلمّا عَدُمَ وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم ، انقطعت أطماعهم عن معارضته . والخاصّة الثانية : في الروعة التي له في قلوب السامعين ، فمن كان مؤمنا يجد شوقا إليه وانجذابا نحوه ، وحكي أنّ نصرانيّا مرّ برجل يقرأ القرآن فبكى فقيل له : ما أبكاك ؟ قال : النظم .