أنّ القوم صرفوا عن المعارضة وأخذوا عن طريقها .
* * * قال : والأشبه بالحقّ والأقرب إلى الحجّة - بعد ذلك القول - قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة ، فيكون ما زاد على المعتاد معجزا ، كما أنّه لمّا أجرى اللّه العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب أفعال الجوارح ، كالطفو بالبحر وحمل الجبل ، فإنّها إذا زادت على ما تأتي العادة ، كانت لاحقة بالمعجزات ، كذلك القول هاهنا .
ثمّ إنّ هؤلاء الّذين قالوا : إنّ جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين :
منهم من اقتصر على ذلك ولم يعتبر النظم ، ومنهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص ، وقال الفريقان : إذا ثبت أنّه خارق للعادة بفصاحته ، دلّ على نبوّته . . .
وأمّا القول الثالث والرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى :
« وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً »
« 1 » فحمل الأوّلون ذلك على المعنى ، والآخرون على اللفظ .
والآية مشتملة عليهما عامّة ، ويجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه ، لارتفاع التناقض فيه ، والاختلاف فيه ، على وجه مخالف للعادة .
وأمّا من جعل جهة إعجازه ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب ، فذلك لاشك أنّه معجز ، لكن ليس هو الذي قصد به التحدّي ، لأنّ كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب ، والتحدّي وقع بسورة غير معيّنة .
* * * وأمّا الذين قالوا : إنّما كان معجزا لاختصاصه بأسلوب مخصوص ، ليس بمعهود ، فإنّ النظم دون الفصاحة لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق ، لأنّ ذلك لا يقع فيه التفاضل ، وفي ذلك كفاية ، لأنّ السابق إلى ذلك لابدّ أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة
هامش
( 1 ) - النساء 82 : 4 .