كما تبيّن .
وأمّا من قال : إنّ القرآن نظمه وتأليفه مستحيلان من العباد ، كخلق الجواهر والألوان فقولهم به على الإطلاق باطل ، لأنّ الحروف كلّها من مقدورنا ، والكلام كلّه يتركّب من الحروف التي يقدر عليها كلّ متكلّم ، وأمّا التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن ، لأنّ حقيقته في الأجسام ، وإنّما يراد من القرآن حدوث بعضه في أثر بعض ، فإن أُريد ذلك فهو إنّما يتعذّر لفقد العلم بالفصاحة وكيفيّة إيقاع الحروف ، لا أنّ ذلك مستحيل ، كما أنّ الشعر يتعذّر على العجم لعدم علمه بذلك ، لا أنّه مستحيل منه من حيث القدرة ، ومتى أُريد استحالة ذلك بما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى . « 1 »
وأمّا القائلون بأنّ إعجازه الفصاحة ، قالوا : إنّ اللّه جعل معجزة كلّ نبيّ من جنس ما يتعاطاه قومه ، فقد كان الغالب على قوم موسى عليه السلام السحر ، فكانت معجزته العصا واليد البيضاء ، فعرفوا أنّه فوق متعاطاهم فآمنوا . وكذلك كان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطبّ ، فأظهر اللّه على يده إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ممّا لا يناله الطبّ فآمنوا به .
فهكذا لمّا كان زمن محمّد صلى الله عليه وآله الغالب على قومه الفصاحة والبلاغة حتّى كانوا لايتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها ، جعل اللّه معجزته من ذلك القبيل ، فأظهر على يديه هذا القرآن ، وعلم الفصحاء منهم أنّ ذلك ليس من كلام البشر ، فآمنوا به . ولهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول اللّه صلى الله عليه وآله كالأعشى مدح رسول اللّه صلى الله عليه وآله بقصيدة وأراد أن يؤمن ، فدافعه قريش وجعلوا يحدّثونه بأسوأ ما يقدرون عليه ، فلم يزالوا بالسعي حتّى صدّوه . وجاء لبيد وآمن برسول اللّه صلى الله عليه وآله وترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن . . .
قالوا : ومن خالفنا في هذا الباب يقول : إنّ المعجز قد يلتبس بالحيلة لكنّه إذا لم يكن طريق إلى الفصل بينهما ، وهاهنا وجوه من الفصل ، منها :
إنّ المعجز إنّما يظهر عند من يكون من أهل هذا الباب ويروّج عليهم ، والحيلة إنّما تظهر عند العوام وتروّج على الجهّال .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 127 - 130 .