بالفصاحة ، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم ، وحضر زمانه من يعدّ في الطبقة الأُولى كالأعشى ولبيد وطرفة ، وزمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب ، دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان ، فصحّ أنّهم كانوا الغاية في الفصاحة .
وإنّما قلنا : اشتدّت دواعيهم إلى الإتيان بمثله ، فإنّه تحدّاهم ثمّ قرّعهم بالعجز عنه بقوله تعالى :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
« 1 » وقوله تعالى :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا » .
« 2 »
فإن قيل : لعلّ صارفهم هو قلّة احتفالهم به أو بالقرآن ، لانحطاطه في البلاغة ! قلنا لا شبهة أنّه صلى الله عليه وآله كان من أوسطهم في النسب ، وفي الخصال المحمودة حتّى سمّوه الأمين الصدوق ، وكيف لايحتفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتّى شهروه بالسحر ومنعوا الناس من استماعه ، لئلّا يأخذ بمجامع قلوب السامعين ، فكيف يرغبون عن معارضته ! « 3 »
* * * وأمّا وجه إعجاز القرآن فقد اختلف المتكلّمون في جهة إعجازه على سبعة أوجه :
فأوّل ما ذكر من تلك الوجوه : ما اختاره المرتضى ، وهو أنّ وجه الإعجاز في القرآن أنّ اللّه صرف العرب عن معارضته ، وسلبهم العلم بكيفيّة نظمه وفصاحته ، وقد كانوا لولا هذا الصرف قادرين على المعارضة متمكّنين منها .
والثاني : ما ذهب إليه الشيخ المفيد « 4 » وهو أنّه إنّما كان معجزا من حيث اختصّ برتبة في الفصاحة خارقة للعادة . قال : لأنّ مراتب الفصاحة إنّما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها اللّه في العباد ، فلايمتنع أن يجري اللّه العادة بقدر من العلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية ، ويكون ما زاد على ذلك زيادة غير معتادة ، معجزا خارقا للعادة .
هامش
( 1 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 2 ) - البقرة 24 : 2 .
( 3 ) - بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 121 - 125 .
( 4 ) - لعلّه في غير كتابه أوائل المقالات فقد ذهب فيه مذهب النظّام كما يأتي .