والثالث : وهو ما قال قوم : إنّ إعجازه من حيث كانت معانيه صحيحة مستمرّة على النظر وموافقة للعقل .
والرابع : أنّ جماعة جعلوه معجزا من حيث زال عنه الاختلال والتناقض على وجه لم تجر العادة بمثله .
والخامس : أنّه يتضمّن الأخبار عن الغيوب .
والسادس : اختصاصه بنظم مخصوص مخالف للمعهود .
والسابع : ما ذكره أكثر المعتزلة : أنّ تأليف القرآن ونظمه معجزان ، لا لأنّه تعالى أعجز عنهما بمنع خلقه في العباد ، وقد كان يجوز أن يرتفع فيقدر عليه ، لكن محال وقوعه منهم كاستحالة إحداث الأجسام والألوان ، وإبراء الأكمه والأبرص من غير دواء .
قال : ولو قلنا : إنّ هذه الوجوه السبعة كلّها وجوه إعجاز القرآن على وجه دون وجه ، لكان حسنا .
* * * ثمّ أخذ في بيان الاستدلال على هذه الأوجه ، حسبما ذكره القائلون بها :
قال : واستدلّ المرتضى رحمه الله على أنّه تعالى صرفهم عن المعارضة ، وأنّ العدول عنها كان لهذا ، لا لأنّ فصاحة القرآن خرقت عادتهم ، بأنّ الفضل بين الشيئين إذا كثر ، لم تقف المعرفة بحالها على ذوي القرائح الذكيّة ، بل يغني ظهور أمريهما عن الرؤية بينهما ، وهذا كما لا يحتاج إلى الفرق بين الخزّ والصوف إلى أحذق البزّازين ، وإنّما يحتاج إلى التأمّل ، الشديد التقارب الذي يشكل مثله . ونحن نعلم إنّا على مبلغ علمنا بالفصاحة ، نفرّق بين شعر امرئ القيس وشعر غيره من المحدثين ، ولا نحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة ، بل نستغني معه عن الفكرة ، وليس بين الفاضل والمفضول من أشعار هؤلاء وكلام هؤلاء قدر ما بين الممكن والمعجز ، والمعتاد والخارج عن العادة . وإذا استقرّ هذا ، وكان الفرق بين سور المفصّل وبين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظّهور الذي ذكرناه ، ولعلّه إن كان ثمّ فرق فهو ممّا يقف عليه غيرنا ولا يبلغه علمنا ، فقد دلّ على
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 74
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٧٤