عاقل وظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة والشك في أحدهما كالشك في الآخر .
وأمّا الذي يدّل على أنّه صلى الله عليه وآله تحدّى بالقرآن ، فهو أنّ معنى قولنا أنّه تحدّى ، أنّه كان يدّعي أنّ اللّه تعالى خصّه بهذا القرآن وأنبأه به ، وأنّ جبرئيل عليه السلام أتاه به ، وذلك معلوم ضرورة ، لا يمكن لأحد دفعه . وهذا غاية التحدّي ، في المعنى .
وأمّا الكلام في أنّه لم يعارض فلأنّه لو عورض لوجب أن ينقل ، ولو نقل لعُلِم ، كما علم نفس القرآن . فلمّا لميعلم ، دلّ على أنّه لم يكن .
وإنّما قلنا : أنّ المعارضة لو كانت لوجب نقلها ، لأنّ الدواعي متوفّرة على نقلها ، ولأنّها - حينذاك - تكون الحجّة والقرآن شبهة ، لو كانت ، ونقل الحجّة أولى من نقل الشبهة .
وأمّا الذي نعلم به أنّ جهة انتفاء المعارضة التعذّر لاغير ، فهو أنّ كلّ فعل ارتفع عن فاعله مع توفّر دواعيه إليه ، علم أنّه ارتفع للتعذّر . ولهذا قلنا أنّ هذه الجواهر والأكوان ليست بمقدورنا . وخاصّة إذا علمنا أنّ الموانع المعقولة مرتفعة كلّها . فيجب أن نقطع على أنّ ذلك من جهة التعذّر لاغيره .
وإذا علمنا أنّ العرب تُحُدّوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدّة حاجتهم إلى المعارضة ، علمنا أنّهم لم يعارضوه للتعذّر لاغير . وإذا ثبت كون القرآن معجزا وأنّ معارضته تعذّرت لكونه خارقا للعادة ، ثبت بذلك نبوّته المطلوبة .
* * * ثمّ إنّ القرآن معجز ، لأنّه صلى الله عليه وآله تحدّى العرب بمثله ، وهم النهاية في البلاغة ، وتوفّرت دواعيهم إلى الإتيان بما تحدّاهم به ، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه ، ولم يأتوا به .
فعلمنا أنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله .
وإنّما قلنا : أنّه صلى الله عليه وآله تحدّاهم به ؛ لأنّ القرآن نفسه يتضمّن التحدّي كقوله تعالى :
« فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » ،
« 1 » معلوم أنّ العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة ويفخرون
هامش
( 1 ) - البقرة 23 : 2 .