زائدا عليه بقدر ينقض . والقسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث .
وإنّما قلنا : إنّهما باطلان ، لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إمّا مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول ، فالشهود والحكّام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج ، لأنّهم كانوا في معرفة اللغة والاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية ، وكانوا في محبّة إبطال أمره في الغاية ، حتّى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحميّة والأنفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل . وكلّ ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله ، والمعارضة أقوى القوادح . فلمّا لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها ، فثبت أنّ القرآن لايماثل قولهم ، وأنّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا ، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة ، فوجب أن يكون معجزا .
. . واعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدلّ ذلك على كونه معجزا .
أحدها : أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات ، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة ، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم .
وثانيها : أنّه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزّه عن الكذب في جميعه ، وكلّ شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيّدا ، ألا ترى أنّ لبيد بنربيعة وحسّان بنثابت لمّا أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلاميّ في الجودة كشعرهما الجاهلي . وأنّ اللّه تعالى مع ما تنزّه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى .
وثالثها : أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح ، إنّما يتّفق في القصيدة في البيت والبيتين والباقي لا يكون كذلك . وليس كذلك القرآن ، لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 59
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٥٩