يقال : القرآن رسالة ، أو خطابة ، أو شعر ، كما يصحّ أن يقال : هو كلام ، ومن قَرَع سمعه فصل بينه وبين سائر النظم . ولهذا قال تعالى :
« وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ »
« 1 » تنبيها أنّ تأليفه ليس على هيأة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأُخر .
فإن قيل : ولم لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد علم أنّ للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون ، إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزونا ؟
قيل : إنّما جنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصّيّة في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة ، فإنّ القرآن هو مقرّ الصدق ، ومعدن الحقّ . وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحقّ ، وتجاوز الحدّ في المدح والذمّ دون استعمال الحقّ في تحرّي الصدق ، حتى إنّ الشاعر لا يقول الصدق ولايتحرّى الحقّ إلّا بالعرض . ولهذا يقال : من كانت قوّته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر . ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضة أقصر .
ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب ، نزّه اللّه نبيّه صلى الله عليه وآله عنه لما كان مرشّحا لصدق المقال ، وواسطة بين اللّه وبين العباد ، فقال تعالى :
« وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ »
« 2 » فنفى ابتغاءه له . وقال :
« وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ »
« 3 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أنّ ذلك ليس بشعر فإنّ وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمّى أصحاب البراهين ، الأقيسة المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب ، شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزّنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتّفاق وقد تكلّم الناس فيه .
وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته : فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنّه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة ، إلّا وبينها وبين قوم
هامش
( 1 ) - فصّلت 41 : 41 - 42 .
( 2 ) - يس 69 : 36 .
( 3 ) - الحاقّة 41 : 69 .