وقد سمع الأعشى بمبعث النبيّ صلى الله عليه وآله فقصده بقصيدة يمدحه فيها يريد الإسلام مطلعها :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبتّ كما بات السليم مسهّدا « 1 »
وما ذاك من عشق النساء وإنّما * تناسيت قبل اليوم صحبة مَهْدَدا « 2 »
إلى أن يقول - موجّها خطابه إلى ناقته - :
وآليت لاآوي لها من كلالة * ولا من حَفىً حتى تلاقي محمدا « 3 »
متى تُناخي عند باب ابن هاشم * تُراحي وتَلْقى من فواضله ندى « 4 »
نبيّا يرى مالاترون وذكرُه * أغار لعمري في البلاد وأنجدا « 5 »
له صدقات ما تغبّ ونائل * وليس عطاء اليوم مانعه غدا « 6 »
أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبيّ الإله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا « 7 »
ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للأمر الذي كان أُرصدا « 8 »
وذا النصب المنصوب لاتنسكنّه * ولاتعبد الأوثان واللّه فاعبدا « 9 »
وسبّح على حين العشيّات والضحى * ولاتحمد الشيطان واللّه فاحمدا
وجعل يعدّد من فضائل الأخلاق ومحاسن السلوك . . .
فلمّا كان بمكة أو قريبا منها اعترضه نفر من قريش فيهم أبو سفيان وكان قد حرّضهم
هامش
( 1 ) - الأرمد : الذي يشتكي عينيه من الرمد . والسليم : الملدوغ . والمسهّد : الذي حرم من النوم .
( 2 ) - مهدد : اسم امرأة بفتح الميم على وزان دحرج .
( 3 ) - لاآوي : لاأشفق ولاأرحم . ويروى : لاأرثي ، وهو بمعناه . والكلالة : الإعياء . أي حلفت أن لاأشفق على نفسي تعبها حتى . . . والحفى : تورّم القدم من كثرة المشي ، ومشي بلاخفّ ولانعل .
( 4 ) - أناخ الجمل : أبركه . وتناخى من باب القلب أصله : تناوخ . وتراحى أيضا مقلوب تراوح بمعنى تجد الراحة . والندى :
الخير .
( 5 ) - أنجده : أعانه .
( 6 ) - غبّ : بعدَ .
( 7 ) - تزوّد : اتخذ زادا .
( 8 ) - أرصد له : أعدّ له .
( 9 ) - النسك : العبادة والطاعة .