فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض كلامه : « أين من سعى واجتهد ، وجمع وعدّد ، وزخرف ونجّد ، وبنى وشيّد » فأتبع كلّ لفظة مايشاكلها ، وقرنها بما يشبهها ( وهذا من لطيف الكلام ) .
قال : ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس ، وذكر البيتين . . .
قال : وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغداديّ يعرف بالمنتخب ، لا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين ، ولا يذكر شعرٌ بحضرته إلّا عابه ، وظهر على صاحبه بالحجّة الواضحة ، فأنشد يوما هذين البيتين ، فقال : قد خالف فيهما وأفسد ، لو قال :
كأنّي لم أركب جوادا ، ولم أقل * لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
ولم أسبأ الزّق الرويّ للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
لكان قد جمع بين الشيء وشكله ، فذكر الجواد والكرّ في بيت ، وذكر النساء والخمر في بيت ! فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة ، وسلّموا له ما قال !
فقال رجل ممّن حضر : ولا كرامة لهذا الرأي ، اللّه أصدق منك حيث يقول :
« إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى » .
« 1 »
فأتى بالجوع مع العرى ولم يأت به مع الظمأ . فسرّ سيف الدولة ، وأجازه بصلة حسنة .
هذا . . . وقد حاول صاحب الكتاب تبرير موقف امرئ القيس في تفرقته هذه غير المتناسبة ، وأتى بتكلّف وتأويل ظاهرين . . .
وأمّا الآية الكريمة فقد فنّد مزعومة القائل بأنّها نظيرة البيتين ، قال : وأمّا احتجاج الآخر بقول اللّه عزّوجلّ فليس من هذا في شيء لأنّه تعالى أجرى الخطاب على مستعمل العادة ، وفيه مع ذلك تناسب ، لأنّ العادة أن يقال : جائع عريان ، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولاضمآن . وقوله تعالى :
« تَظْمَؤُا »
و
« تَضْحى »
متناسب ، لأنّ الضاحي
هامش
( 1 ) - طه 118 : 20 - 119 .