تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وقد مرّت عليك نماذج من خُطَب العرب وأشعارهم وكانت من النمط الأرقى المعروفة يومذاك . فإذا ماقارَنْتَها مع آي القرآن الحكيم وأسلوبه البديع ، تجد هذا الفرق بوضوح . مثلًا ، هذا « قسّ بن‌ساعدة الأيادي » « 1 » ما تزال العرب تفتخر بجلائل خطبه القديمة حتى اليوم ، في حين أنّها لا تعدو سرد ألفاظ لا فائدة في ذكرها سوى تلفيق سجع أو رعاية وزن ، لاغير . وإليك من خطبه : « أيّها الناس ، اجتمعوا فاسمعوا وعوا . من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت . في هذه آيات محكمات ، مطر ونبات ، وآباء وامّهات ، وذاهب وآت ، نجومٌ تَمُور ، وبحور لاتغور ، وسقف مرفوع ، ومِهاد موضوع ، وليل داج ، وسماء ذات أبراج . مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون ؟ ! أَرَضُوا فأقاموا ، أمْ حُبِسوا هناك فناموا . يا معشر إياد ، أين ثمود وعاد ، وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم ينكر ، اقْسَمَ قُسٌّ قَسَما باللّه ، أنّ للّه دِينا هو أرضى من دينكم هذا . . . » . * * * هذا وقد أعجب صاحب كتاب « الإعجاز في دراسات السابقين » هذا الكلامُ العربيّ القديم فقال في وصفه : إنّه ثمرة من ثمار البلاغة العربيّة الطيّبة الناضجة . ! وضربه مثلًا لما كان للعرب من خطب مفحمة وحكم رائعة معجبة ، يترقرق عليها ماء الحُسن والملاحة ، فيها روعة آسرة وجمال أخّاذ . . . إلى آخرما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح ! « 2 » ولكن . . . يا ترى ، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكهنة في أسجاع متكلّف بها ،
هامش
( 1 ) - كان أخطب العرب وكان يضرب به المثل « أخطب من قُسّ بن ساعدة » . يقال شهده النبي صلى الله عليه وآله وهو يخطب في سوق عكاظ ، وقد اعترفت العرب بفضله وببيانه . راجع البيان والتبيين للجاحظ ، ج 1 ، ص 163 . ( 2 ) - الإعجاز في دراسات السابقين ، ص 503 .