تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
روى الصدوق رحمه الله بإسناده المتّصل إلى أحمد بن‌محسن الميثمي ، قال : كنت عند أبي منصور المتطبّب ، فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبيالعوجاء وعبداللّه بن‌المقفّع في المسجد الحرام . فقال ابن‌المقفّع : ترون هذا الخلق ؟ وأومأ بيده إلى موضع الطواف . ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة ، إلّا ذلك الشيخ الجالس - يعني جعفر بن محمد عليه السلام - فأمّا الباقون فرعاع وبهائم . فقال له ابن أبيالعوجاء : وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال : لأنّي رأيت عنده مالم أرعندهم . فقال ابن أبي العوجاء : مابدّ من اختبار ما قلت فيه منه . فقال له ابن المقفّع : لا تفعل ، فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك . فقال : ليس ذا رأيك ، ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي ، في إحلالك إيّاه المحلّ الذي وصفت ! فقال ابن المقفّع : أمّا إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه ، وتحفّظ ما استطعت من الزلل ، ولاتثن عنانك إلى استرسال يسلمك إلى عقال ، وسمه مالك أو عليك ! قال : فقام ابن أبي العوجاء إلى الإمام وتكلّم معه وحاججه طويلًا - في شرح يطول - ثمّ رجع وهو مبهور بفضله ( صلوات اللّه عليه ) ونبوغه . فقال : يا ابن المقفّع ، ما هذا ببشر ، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد ، إذا شاء ظاهرا ، ويتروّح إذا شاء باطنا ، فهو هذا ! ثمّ ذكر له حديثه معه . « 1 » وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ ابن المقفّع كان يرى - بفضل ذكائه وفرط عقله - مكانة أئمّة المسلمين ، الأحقّاء بمقام الإمامة ، سموّا ورفعة وشموخا ، تلك كانت عقيدته الباطنة ، وربّما كان يتألّم من تقدّم غير الأهل من أهل الهرج والضوضاء ، فكان يقوم في وجههم ويعارضهم بقوّة بيانه وصريح حجّته ، ومن ثمّ رموه بالزندقة والإلحاد . هذا ماأظنّه بحقّ الرجل وربّما لا أشك في استقامة طريقته على غرار استقامة سائر أبناء الفرس الذين
هامش
( 1 ) - التوحيد للصدوق ، باب القدرة ، ح 4 ، ص 126 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 242 | الشيخ محمد هادي معرفة