مفكّر في هذه الآية
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
« 1 » فلم أستطع أن آتي بنظيرتها !
قال هشام بنالحكم « 2 » وهو يراقب الجماعة : فبينما هم في ذلك ، إذ مرّ بهم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وعلم ما هم فيه ، فقال لهم - متهكّما - :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » .
« 3 »
قال : فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، وقالوا - معجبين بالأمر - : لئن كان للإسلام حقيقة ، لما انتهت وصاية محمد صلى الله عليه وآله إلّا إلى مثل جعفر بنمحمد عليه السلام واللّه ما رأيناه قطّ إلّا هبناه واقشعرّت جلودنا لهيبته . ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز . « 4 »
هذا وقد أنكر العلماء نسبة ذلك إلى ابنالمقفّع ، الذي هومن أبصر الناس باستحالة المعارضة . إنّما يعرف ذاالفضل من الفضل ذووه .
قال الرافعي : هذه النسبة مكذوبة عليه ، وأنّ ابن المقفّع من أبصر الناس بعدم إمكان معارضة مثل القرآن ، لالشيء إلّا لأنّه من أبلغ الناس . وإذا قيل أنّ فلانا يزعم إمكان المعارضة فاعلم أنّه إمّا جاهل أحمق أو عالم أعمته العصبيّة ، وابن المقفّع ليس واحدا منهما ، ذلك الرجل العاقل الخبير بموضع نفسه من كلام اللّه المجيد .
قلت : إن صحّت الرواية - ولم تصحّ - فلعلّه كان مجاراة مع بني جلدته من أهل الأدب وربما كانوا يلحدون في آيات اللّه ، فأراد بهذه التجربة إفحامهم وإقناعهم بواقع الأمر .
يدلّك على ذلك قصّته الأخرى - في المسجد الحرام - مع أصحابه ، عندما مرّوا بالإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فعمد إلى التنويه بمقامه الرفيع :
هامش
( 1 ) - هود 44 : 11 .
( 2 ) - كان من أعاظم صحابة الإمام الصادق عليه السلام مشهورا بالكلام وحسن المناظرة . كان كوفيّا ونشأ بواسط واتّجر ببغداد . توفّي سنة 199 .
( 3 ) - الإسراء 88 : 17 .
( 4 ) - الاحتجاج للطبرسي ، ج 2 ، ص 142 - 143 ؛ وأورد مختصره في بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 16 نقلًا عن مختصر الخرائج ، ص 242 .