تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
مِثْلِهِ » ،
« 1 » وأخيرا أجهز عليهم بحكمه الباتّ :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ »
« 2 » فقد أنذرهم بالنار وساوى بينهم وبين الأحجار ! هذا . . ولم يكن العرب يومذاك أهل كسل وملل في الكلام والخصام ، وقد تربّوا في أحصان الخصومة وكانوا أهل لدد وجدل ، كما وصفهم تعالى :
« وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا » ،
« 3 » وقال :
« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » .
« 4 » فلوكانت فيهم قدرة على المعارضة أو لسان لم يخرسه العجز والعيّ ، لما صمتوا على ذلّ العار أو سكتوا على شنار الصّغار ، وقد أصاب منهم موضع عزّهم ومحلّ فخارهم ، وهزمهم بذات سلاحهم ، ولم تكن الهزيمة الشنعاء إلّا لأنّهم وجدوا من أنفسهم ضآلة وحقارة ، تجاه عظمة القرآن وهيمنته وكبريائه ،
« فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً »
« 5 » . هذا الوليد بن‌المغيرة المخزومي - كبير قريش ورائدهم وقائدهم - استأمروه بشأن هذا الكلام الذي جاءبه نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله فلم‌يستطع سوىالاعتراف بأنّه فوق‌مقدور البشر : « فو اللّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون ، وإنّ قوله من كلام اللّه . . . » « 6 » وهو القائل : « وو اللّه إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإنَّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله . وإنّه ليعلو وما يُعلى » . « 7 » وهذا إنذار من رأس الكفر بأنّ الغلب سوف يكون مع القرآن ! وقد حاولوا الممانعة دون صيته والحؤول دون شياعه ، وقالوا :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » .
« 8 » وكانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم
هامش
( 1 ) - يونس 38 : 10 . ( 2 ) - البقرة 24 : 2 . ( 3 ) - مريم 97 : 19 . ( 4 ) - الزخرف 58 : 43 . ( 5 ) - الكهف 97 : 18 . إنّهم حاولوا معارضته ومقابلة فصيح كلامه ، غير أنّ الحظّ لم يساعدهم ولم يرافقهم التوفيق ، فقد أعوزتهم الكفاءة وتقاعست عنه هممهم لمّا رأوا شموخ طوده الرفيع . قال ابن‌رشيق في العمدة ، ج 1 ، ص 211 : « ولمّا أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك ، على لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم ، فلمّا سمعوا قول اللّه عزّوجلّ : «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هود 44 : 11 ، يئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق » . وراجع : مجمع البيان ، ج 5 ، ص 165 . ( 6 ) - جامع البيان للطبري ، ج 29 ، ص 98 . ( 7 ) - مستدرك الحاكم ، ج 2 ، ص 507 . ( 8 ) - فصّلت 26 : 41 .