تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
خشية سماعه ، أو يحشون مسامع الوفود بالخرق والكراسف لئلّا يستمعوا إلى حديثه ، لماذا ؟ إنّهم أدركوا هيمنته ولمسوا من واقعه الناصع ، فهابوه وخافوا سطوته ، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام وألجأتهم أخيرا إلى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارعة الأسنّة والسيوف . لكن
« وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ » .
« 1 » والآية الأغرب ، والمعجزة الأعجب ، ذلك حكمه الباتّ على أنّهم لن يأتوا بمثله
« وَلَنْ تَفْعَلُوا »
أبدا . إنّه إعجاز في صراحة وجرأة يفوق سائر الإعجاز ، وإخبار عن غيب محتّم ، لا يصدر إلّا عن علّام الغيوب ، ولا يجرأ على النطق به أحد من البشر مهما أوتي من علم وقدرة وهيمنة . بل وحكمه العام الشامل لكافّة طبقات الأُمم عبر الخلود ، لا يستطيعون جميعا أن يأتوا بمثله
« وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » .
« 2 » وهذه ركب البشرية وفيهم الجفاة والعتاة ممّن مارسوا لغة الضاد ، قد أخرسوا جميعا عن معارضته وإمكان مقابلته ، وليس عن رحمة ولين عريكة ، وإنّما هو عجز وعيّ وضعف ، صار دليلًا على إعجازه وبرهانا على خلوده ! وقد بحث العلماء قديما وفي العصر القريب ، عن سرّ هذا الإعجاز وعن سبب خلوده ، وحاولوا قصارى جهدهم لكشف النقاب عن وجهه ولمس أعتابه ، فكانت أبحاثا جللًا وآراء ونظرات قيّمة ، سجّلتها صحائف التاريخ في سطور مضيئة وكلمات مشرقة ، كان تراثنا الثمين في هذا المضمار ورصيدنا الوفير في هذا العرض ( أحسن اللّه جزاءهم ) . ونحن إذ نسير على منهجهم لا نألو جهدا في سبر أغواره والتحقيق من مبانيه ، جريا مع التطوّر في الأفكار والأنظار ، عساه أن يكون خدمة صالحة لمباني الدين القويم والترويج من شريعة سيّد المرسلين ، عليه وعلى آله الأطيبين صلوات ربّ العالمين . غرة ربيع الأغر 1408
هامش
( 1 ) - يونس 82 : 10 . ( 2 ) - الإسراء 88 : 17 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 22 | الشيخ محمد هادي معرفة