وما صنع شيئا إلّا أنّه كان يعمد إلى آي القرآن فيسرق أكثر ألفاظها ويبدّل بعضا ، كقوله « إنّا أعطيناك الجماهر فصلّ لربّك وجاهر » . أو يجيء على موازين الكلمات القرآنية بألفاظ سوقيّة ومعان سوقيّة ، كقوله : « والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا » .
وهكذا لم يستطع وهو عربيّ قحّ أن يحتفظ بأسلوب نفسه ، بل نزل إلى حدّ الإسفاف ، وأتى العبث الذي يأتيه الصبيان في مداعبتهم وتفكّههم بقلب الأشعار والأغاني عن وجهها .
ولا يخفى أنّ هذا كلّه ليس من المعارضة في شيء ، بل هو المحاكاة والإفساد . وما مثله إلّا كمثل من يستبدل بالإنسان تمثالًا لاروح فيه ، وهو على ذلك تمثال ليس فيه شيء من جمال الفن . « 1 »
* * * قلت : وبذلك يتبيّن فساد ما زعمه بعض أهل الخرف ، من أنّه لو كان ما أتى به باطلًا ، لوجب على اللّه إرغامه ، كما قال تعالى :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » .
« 2 » كما زعمه بعض البابيّة في سفاسفهم .
إذ لاتعدّ أمثال هذه الخزعبلات تقوّلا على اللّه ، مالايتناسب مع كلامه تعالى لافي لفظه ولا في أسلوبه ولا في شيء من معانيه . إنّما هي ترّهات تشبه أطيط بعير أو نهيق حمار .
قال ابن كثير : وأمّا مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة ، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة ، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة .
وكم من فرق بين قوله تعالى :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . . . »
« 3 » وبين قول مسيلمة : يا ضفدع بنت ضفدعين . . . وقوله : لقد أنعم اللّه على الحبلى ، إذ أخرج
هامش
( 1 ) - النبأ العظيم ، ص 74 ، الهامش .
( 2 ) - الحاقة 44 : 69 - 47 .
( 3 ) - البقرة 255 : 2 .