أنفس بضائعهم وأجود صنائعهم ، ألا وهي بضاعة الكلام وصناعة الشعر والبيان . كانوا يتبارون فيها ، وينقدون ويتفاخرون ، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس
. . . حتى إذا ظهرت فيهم الدعوة ونزل القرآن . . فما أن تليت عليهم آياته إلّا والأسواق قد تعطّلت والأندية قد انفضّت ، وقد خلت الديار إلّا من رنّة صوت القرآن . وقد زحفهم ببراعته وهزمهم بصولته ، فلم يستطيعوا مباراته ولم يقدروا على مجاراته ، ففضّلوا الفرار على القرار واستغشوا على رؤوسهم ثوب العار . ذلك على أنّه لم يسدّ عليهم باب المعارضة ، ولم يمانعهم التنافس فيه ، صارخا ومتحدّيا لهم أفرادا وجماعات : لو يأتوا بحديث مثله !
وقد عرض عليهم هذا التحدّي الصارخ في جرأة خارقة وصراحة بالغة ، مكرّرا عليهم ومتهكّما بهم : أنّهم أعجز من أن تقوم قائمتهم تجاه صوت القرآن المدوّي المدهش ، وقد تنازل معهم إلى الأخفّ فالأخفّ ، امتهانا بشأنهم وتبيينا لموقف عجزهم وضعف مقدرتهم :
أوّلًا :
« فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ » .
« 1 » ثانيا :
« فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ » .
« 2 » ثالثا :
« فَأْتُوا بِسُورَةٍ
هامش
( 1 ) - الطور 34 : 52 .
( 2 ) - هود 13 : 11 . بناءً على نزول سورة هود قبل سورة يونس ، كما نبّهنا مسبقا في الجزء الأول من التمهيد . إذ ليس لتسلسل ترتيب النزول دليل قاطع على المشهور ، ولعلّه فيه بعض التقديم والتأخير كما هنا .